قبل فترة اتصل بإحدى محطات البث المباشر احد المواطنين يشتكي بأن بعض شركات التأمين الصحي ترفض التأمين على المواطنين بحجة أن المواطن مكلف أو ربما لأنه يتمارض كثيرا، بينما تسعى نفس الشركات لترويج خدماتها المتعددة بين مختلف الجنسيات الأخرى المقيمة في الدولة.

 وقبلها بفترة اشتكى العديد من المواطنين من شركات العقارات التي ترفض تأجير المساكن للمواطنين بحجج عديدة واهية من بينها مدة شغل العقار وحالته بعد شغله وغيرها من الحجج التي لا تخضع إلا للنظرة المعيارية من قبل تلك المؤسسات للمواطن.

 بينما تجاهر نفس تلك الشركات بأنها تسعى لنيل رضا غيرهم. منذ أمد وبعض شركات القطاع الخاص تتهرب من تعيين المواطنين بحجة أن المواطن يكلف الشركة أو المؤسسة أكثر بكثير مما يكلفها الوافد .

 بالإضافة إلى متطلباته العديدة، بينما تسعى نفس تلك الشركات لاستقطاب جنسيات عديدة ومن بلدانها الأصلية.

 مؤسسات خدمية عديدة تصمم خدماتها المتميزة خصيصا لغير المواطنين بهدف جذبهم بينما تتملص من تقديم نفس الخدمات للمواطن بحجة أن المواطن لا يرغب إلا في خدمات معينة.

 الكثير من المؤسسات والشركات التجارية تسعى جاهدة للترويج لنفسها في إعلاناتها التجارية خاصة المرئية والمسموعة بكافة اللهجات ما عدا اللهجة المواطنة.

 شركات ومؤسسات كبرى تسعى للتهرب بطريقة ذكية من تعيين مواطنين عبر لجوئها، حسب زعمها لسياسات التعيين التي تخضع «للمعايير العالمية» وهي في واقع الأمر طريقة للتملص من التزامها تجاه المواطن و«التوطين» وفي هذا الوضع كله لا حاجة لذكر الطرق والوسائل المستخدمة:

 فالطرق مختلفة والوسائل متعددة وفي النهاية كافة الطرق تؤدي إلى نتيجة واحدة هي تمييز ضد المواطن. هذا التمييز يكون في أغلب الأحوال ضد المواطن الذي لا حول له ولا قوة المغلوب على أمره، المؤطر داخل إطار صورة نمطية واحدة وقالب حضاري واحد لا يتغير مهما تغيرت الظروف والأحوال.

 هذا التميز يحتاج حقا إلى دراسة وافية ومعرفة دقيقة للأسباب حتى يمكن حل تلك العقدة الحضارية ومعالجتها بطريقة حكيمة لا تؤدي إلى زعزعة الاستقرار ولا التعايش الذي تميز به هذا المجتمع منذ القدم.

 ولكن صورة المواطن هذه المؤطرة داخل إطار معين ليست كلها من صنع الآخر أو الإعلام، ولكن ساهمت في تأطيرها عبر الأيام عوامل متعددة ثقافية واجتماعية واقتصادية وحضارية وأيضا عوامل لعب المواطن دورا فيها.

 هذه الصورة تحتاج الآن إلى تفكيك وإعادة تركيب حتى تخرج للعلن صورة أخرى واقعية وحضارية تتماشى مع الوضع الحضاري للدولة وللمواطن.

 فمنذ بداية الطفرة خرجت إلى العلن صورة معينة للمواطن لم تتغير كثيرا حتى الآن. فصورة المواطن الغنى المرفه الاتكالي الذي ترعاه الدولة من المهد إلى اللحد الاستهلاكي وربما غير الحضاري ظهرت وروج لها، عن قصد أو غير قصد، إعلامنا والإعلام الغربي.

 كما ساهم في نشرها الطفرة والانفتاح الكبيراان اللذان تميزت بهما الدولة. ولم تتغير كثيرا تلك الصورة خلال العقود الماضية لأننا وبكل بساطة لم نعر تلك الصورة اهتماما كبيرا أو تركنا للزمن أمر تعديلها.

 ولكن الزمن ليس دوما بقادر على تعديل بعض الصور بل يمكن أن يكون العامل الزمني دورا مهما في تراكم الصور وخروج صورة جديدة أخرى.

 لذا ومن أجل تعديل تلك الصورة الآن يجب العمل عليها إعلاميا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا حتى يتم إنتاج صورة عادلة ومنصفة للمواطن لا تظل تؤثر عليه وعلى مصالحه. فلا يظل المواطن يعامل بشكل غير منصف أو يصبح هدفا رخيصا لبعض المؤسسات الرامية للربح المادي.

 فمثلا هناك الكثير من الشركات التجارية التي تروج لبضائعها الاستهلاكية الفاخرة كالسيارات والساعات الفاخرة وغيرها من البضائع لا تستهدف سوى شريحة المواطنين.

 هناك العديد من البنوك التجارية التي تروج لقروضها «الميسرة» وغير «الميسرة» لا تستهدف سوى شرائح المواطنين الشباب.

 وهكذا يصبح المواطن هدفا رخيصا لمثل تلك المؤسسات والشركات الراغبة في أفراد مستهلكين حتى الثمالة دون التفكير في العواقب الاجتماعية والاقتصادية التي تخلفها طريقة التفكير تلك.

 هذه الطريقة تخلق صورة للمواطن غير منصفة وغير حقيقية وقائمة على أسس معيارية واقتصادية واجتماعية وهمية بأن كل مواطن هو شخص مادي ثرى مترف، ومحب وطامح دوما إلى نمط حياتي واستهلاكي أفضل وأعلى.

 وبالطبع تشيع هذه الصورة وتنتشر ويخضع المواطن البسيط غير القادر لضغوط حياتية واجتماعية كثيرة لمجاراة هذه الصورة، بل انه يشعر بالدونية إذا لم يتماه تماما مع الصورة المرسومة له في الأذهان.

 فمثلا، لا يكون مواطنا إذا امتلك سيارة عادية ورخيصة الثمن، ولا يكون مواطنا إذا امتلك هاتفا عاديا ليس من أحدث الطرز، ولا يكون مواطنا إذا امتلك منزلا شعبيا في منطقة متواضعة،.

 ولا يكون مواطنا إذا لم يسافر صيفا إلى الخارج. ولكي يتماهى المواطن غير القادر مع تلك الصورة يلجأ إلى الاقتراض وأما القادر فإلى الإسراف لكي يكمل الصورة المتوقعة له.

 وتسعد البنوك والشركات التجارية بمثل هذا التهافت الذي يصب في كل الأحوال في مصلحتها، وتعيد الترويج لخدماتها بين شرائح أخرى من المواطنين لإنتاج صور أخرى مشابهة.

 هذه العقلية في النظر والتعامل مع المواطن ليس بوصفه إنسانا ولكن بوصفه سلعة، هي نظرة غير منصفة وليست قائمة على معرفة أو دراية حقيقية بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للمواطن وإنما على نظرة معيارية أفرزت على مر الأيام نظرة خاصة بالمواطن وأخرى لغيره. فيصبح المواطن رقما سهلا اقتصاديا بينما صعب اجتماعي.

 هذا الوضع، بل هذا التمييز، يجب معالجته ووضع حد له لأن استمراريته يعني وضعا مجتمعيا معكوسا للغاية ونتائجه المستقبلية كارثية. شيء فشيء سيجد المواطن نفسه في وضع لا يحسد عليه، محاصر ومهمش.

 كما سيجد نفسه سجين إطار معين لا يستطيع منه فكاكا ولا كسر هذا الإطار الحضاري، بل سيظل يعامل كشيء نادر يزين المجتمع بينما تدور الحياة العامة حول أنشطة مختلفة تديرها فئة أخرى بعقلية حضارية مختلفة.