بعد نحو ثلاثة أشهر على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة اللبنانية، تدخلت العناصر الداخلية والإقليمية في تمديد فترة المراوحة، التي تتباين التحليلات السياسية بين اعتبارها مراوحة محكومة بالإطالة واعتبارها مراوحة الأيام أو الأسابيع الأخيرة قبل التأليف، وإن كانت ترجح الاحتمال الأخير بقوة.

لكن هذه المراوحة لم تحجب عن الأنظار واقعة أن ثمة عناصر جديدة أو مستجدة دخلت الأزمة الحكومية، أبرزها:

أولاً؛ بلوغ الاحتقان والسجال الكلامي بين تيار «المستقبل» و«حزب الله» ذروته، تعبيرا عن الصداع المتزايد بين إيران الإسلامية ودول الخليج العربية، وإذا كانت الإطلالة التلفزيونية الأخيرة للسيد حسن نصرالله جاءت هادئة في نبرتها السياسية إلا أن التموضع إلى جانب إيران والدفاع عنها وعن تاريخ تعاطيها مع الساحة اللبنانية جاء يضيف عناصر افتراق وصراع على الساحة اللبنانية، التي باتت واحدة من الساحات التي يتردد فيها صدى هذا الصراع الإيراني ــ العربي الذي يبدو مفتوحاً.

ثانياً؛ رغم أن القوى السياسية اللبنانية، وفي مطلعها «حزب الله» والأحزاب الحليفة لسوريا، تعمد إلى عدم التعليق على الأحداث التي تعصف بعدد كبير من المدن السورية، وتتسبب بعدد غير قليل من الضحايا، إلا أن أحداث دمشق تلقي بظلها الكثيف على الوضع اللبناني، وتسهم في تمديد فترة الانتظار إلى حين جلاء مستقبل الوضع السوري، ومستقبل العلاقات الأميركية ـ السورية، والخليجية ـ السورية في ضوء تطوراته واحتمالاته.

فالجنوح الأخير من السلطات السورية إلى استخدام «العصا الغليظة»، وإنهاء فترة «التسامح» مع التظاهرات والانتفاضات الشعبية المتنقلة، يهدد بدخول العلاقة بين السلطة في دمشق والمعارضين عنق الزجاجة، واقتراب لحظة الصدام الكبير بين الطرفين، مما ينعكس سلبا على الأوضاع الهشة في البلاد. لكن المتابعين للشأن السوري، لا يعتبرون أن دمشق باتت أقرب إلى احتواء التداعيات بعد سلسلة التنازلات التي قدمتها.

ثالثا؛ أن انتقال الرئيس سعد الحريري إلى الانخراط في الصراع المفتوح بين دول الخليج وإيران، وإطلاقه الاتهامات ضد طهران مما استدعى رداً من سلطاتها، يضيف إلى الوضع الداخلي اللبناني عناصر تأزم واشتباك، حذر منها بوضوح الرئيس نجيب ميقاتي في دعوته الفرقاء، على غرار ما فعل رئيس الجمهورية، إلى التزام لغة الهدوء «والتعاطي المسؤول» مع التوتر العربي الإيراني.

رابعاً؛ تراجعت قدرة رئيس الجمهورية على أن يكون عنصر توازن ولقاء بين القوى السياسية اللبنانية، مع تزايد الاحتقان والتجاذب بين العماد ميشال عون، وغلبة الحسابات الانتخابية المقبلة (النيابية والرئاسية) على حسابات كل فريق سياسي بصورة مكشوفة، فليس خافيا أن الجنرال عون يعتبر أن الحكومة المقبلة قد تكون آخر حكومات العهد، وأن هذه الحكومة بالذات هي التي ستعمد إلى ملء الشواغر العديدة والمهمة في الدولة، مما يرسم وإلى فترة بعيدة، مستقبلا طبيعة التوازنات السياسية وحصص الكتل والتيارات الحزبية، ويدفع عون إلى التشدد في شروطه لتسهيل ولادة الحكومة الجديدة، خصوصا مع غياب «‬14 آذار» عن عملية تقاسم السلطة، التي ستكون حكراً على رموز «‬8 آذار» وبعض المستقلين المقربين من الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط.

خامساً؛ في ما يتصل بالتركيبة الحكومية المرتقبة، بات مؤكداً بحسب العارفين، أنها ستعتمد صيغة ‬3 عشرات: عشرة مقاعد للعماد ميشال عون (فيما كان يطالب بـ‬11 ـ ‬12 مقعداً)، وأن حقبية الداخلية لن تؤول إلى العماد عون ولا إلى الرئيس سليمان، بل ستكون مجالاً متوازنا بين الفريقين، وأن حصة سليمان ـ ميقاتي ـ جنبلاط ستكون أيضا ‬10 مقاعد، فيما يذهب الباقي إلى مكونات «‬8 آذار» (خصوصا حركة «أمل» و«حزب الله»).

كما علم أن سوريا كانت تدفع في الأيام الأخيرة، إلى تشكيل سريع للحكومة لا يكون رسالة فجة أو حادة إلى المجتمع الدولي كيلا تتزايد الضغوط على دمشق، وأن الوزارة الجديدة ستعمد في بيانها الوزاري، إلى طمأنة المجتمع الدولي حول المحكمة الدولية وضوابط استخدام سلاح «حزب الله».

لكن اقتراب موعد الإعلان عن التشكيلة الوزارية، يترافق مع إنهاك كبير أصاب أطرافها التي تتشكل منها، بحيث بدا أن ثمة أزمة ثقة مستحكمة بين فرقاء «‬8 آذار»، وأن الوقت قد استنفد في الخلاف على التركيبة والحصص، فيما الأمور الداهمة في مكان آخر: مستقبل تسليح الجيش اللبناني بعد العقوبات الأميركية، مستقبل النظام المصرفي اللبناني بعد الخضة الكبيرة التي لحقت به جراء العقوبات في حق بعض المصارف، مستقبل السياحة الخليجية والاستثمار المالي الخليجي في لبنان، إذا تبين أن حضور «حزب الله» في الحكومة نهجاً وتركيبة كان حضورا وازنا، مستقبل الأزمات الاجتماعية التي انفجرت مؤخراً، وآخرها الوضع المزري في السجون اللبنانية.

قد تتشكل الحكومة قريباً، لكن السؤال الكبير بات اليوم: هل تكون «حكومة انتقالية» في وضع عربي انتقالي برمته؟ وهل يمكن تشكيل حكومة مستقرة في مناخ عربي غير مستقر، ومفتوح على مزيد من المفاجآت؟!

 

كاتب لبناني