ينشغل المسؤولون الإسرائيليون هذه الأيام باستطلاع آفاق التغيير شبه الجذرى في غير قطر عربى، وتأثيرها على مجريات الصراع مع العرب وقضية فلسطين. ومع ما تثيره هذه الحالة من قلق وحيرة، وربما لا أدرية، إزاء وضع دولتهم الإقليمي سلما أو حربا، إلا أن متغيرات على الساحة الأوروبية راحت تلقي عليهم بمستجدات سلبية وغير مستحبة أخرى.

مصادر أوروبية وإسرائيلية، سياسية وفكرية بحثية وصحافية، تلاقت مؤخرا على تقدير موحد، مفاده تحول اتجاهات قطاع كبير من الرأي العام الأوروبي ضد إسرائيل.

ففي ألمانيا أصدر مركز أبحاث الحزب الديمقراطي الاشتراكي، تقريرا في منتصف مارس الماضى، كشف عن وجود مستويات عالية من «معاداة السامية»، وموجة كراهية ضد اليهود، وأشار إلى ارتباط هذه المعطيات بسلوك إسرائيل، باعتبار أن «.. الجمهور الألماني أصيب بخيبة أمل من اليهود، الذين كان يتوقع منهم أن يكونوا في طليعة المعركة ضد العنصرية، لكن ما حدث أنهم أقاموا دولة تكاد تكون المسيء الرائد عالميا لحقوق الإنسان.. دولة إرهابية تحتجز الملايين خلف الجدران والأسلاك الشائكة..».

وعن صورة إسرائيل لدى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، لاحظ التقرير أن ‬63,3؟ من البولنديين يرونها دولة تسعى إلى طمس وجود الشعب الفلسطيني، وذهب ‬68؟ من النرويجيين إلى أن الإسرائيليين متطرفون دينيا، وثبت أن الأغلبية في إنجلترا وفرنسا وإسبانيا وهولندا والدول الاسكندنافية، تؤيد الفلسطينيين كضحية فيما تعتبر إسرائيل عندهم دولة عدوانية، وأن الوقت لن يتأخر قبل أن يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات ثقيلة عليها.

وعندما سئل ألف شخص من مختلف أنحاء القارة العجوز، عما إذا كانت إسرائيل تشن حرب إبادة ضد الفلسطينيين، وافق ‬47,7؟ منهم على هذا التقدير، وتاريخيا يعد ذلك أعلى رقم يسجل بهذا الخصوص في غرب أوروبا.

ضمن التعليقات والتفسيرات اللافتة على هذا الفتور الأوروبي، غير المسبوق تجاه اليهود منذ الحرب العالمية الثانية، ذكر باحث ألماني أن ذلك يعود إلى «السياسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين..». بمعنى أن السلوك الإجرامي الإسرائيلي في الميدان الفلسطيني، تسبب في النظرة السلبية لليهود في الميدان الأوروبي البعيد.

لمزيد من الإيضاح، ندفع بأن هذا التصور ينطلق من أن اعتماد إسرائيل لنفسها كممثل لليهود أينما كانوا، جعل هؤلاء الأخيرين عرضة للمسؤولية والمساءلة عن تصرفاتها. ونحسب أن هذا التوجه قابل للتفاقم بالزيادة، بالنظر إلى ميل إسرائيل أكثر فأكثر للإفصاح عن هويتها اليهودية. وهكذا فإنه بدلا من تكييف اليهود باعتبارهم مجرد أصحاب ديانة سماوية، سوف يتم النظر إليهم من خلال ارتباطهم بدولة إسرائيل اليهودية، وسيكون من الطبيعي في هذه الحالة، أن تنعكس كل سوءات هذه الدولة وسيئات أعمالها وسياساتها على صورة اليهود أينما كانوا.

والحق أنه سبق لعامة الأوروبيين أن عبروا عن مواقف امتعاضية إزاء السلوك الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ولاسيما في لحظات المد الإرهابي الجارف، مثل العدوان الإجرامي على غزة قبل عامين وبضعة أشهر.. بيد أن هذه المواقف لم تخلف وراءها آثارا سلبية على صورة اليهود أنفسهم بالقدر المتوفر راهنا؛ الذي زاد فيه معامل الربط بين هذه الصورة وبين سياسات إسرائيل الدولة.

هذا الربط التلقائي يعد مستجدا فارقا وجديدا بالفعل؛ سيعاني منه يهود العالم الذين مازالوا يشكلون ضعف يهود إسرائيل عددا.

ضمن الجديد الفارق أيضا، أن الأوروبيين ما عادوا يتسامحون في قضية استثناء إسرائيل من العقوبات المتعارف عليها ضد أية دولة تمارس العنصرية الفجة، إذ راحت منظمات وأطر مدنية وشعبية وشبه رسمية أوروبية، تضطلع بحملات مقاطعة متعددة العناوين لإسرائيل. من ذلك حملة مقاطعة البضائع الإسرائيلية في فرنسا، وقرار محكمة العدل الأوروبية منع ترويج منتجات شركات تقع مقارها في مستوطنات على مشارف القدس، وقرار الصندوق السيادي النرويجي (أكبر صندوق استثماري أوروبي) وقف تمويله كل المؤسسات المرتبطة ببناء جدار الفصل بين الضفة وإسرائيل، وقرارا صندوق الضمان السويدي والبنك البلجيكي، حجب التمويلات التي تستخدم بأي شكل في بناء المستوطنات، وقرارات عدد من كبريات الجامعات الأوروبية بمقاطعة برامج التعاون مع بعض الجامعات الإسرائيلية..

صحيفة يديعوت أحرونوت وصفت تأثير هذه المعطيات على وضع إسرائيل في أوروبا بــ«الكارثي».. وذكرت أن الخارجية الإسرائيلية تحاول تحسين صورة إسرائيل لدى الرأي العام الأوروبي، بالاستعانة بمكتب للدعاية والعلاقات العامة، وخصصت لهذا الغرض ‬12 مليون دولار سنويا بدءا من ‬2011. وحمل الاستياء من المشهد الأوروبي الشعبي المستجد، أحد الدبلوماسيين الإسرائيليين على القول بأن الفلسطينيين باتوا يسيطرون على الرأي العام الأوروبي، الذي يؤيدهم وسوف يساعدهم على إقامة دولتهم المستقلة.

نأمل أن يكون هذا الأمر صحيحا ولا مبالغة فيه.. فعندما ترى الجماهير الأوروبية إسرائيل كما هي، لا كما يصورها بعض الساسة والإعلاميين وأصحاب الرأي الذين تم شراؤهم أو خداعهم، فسوف نمسي إزاء تحول مذهل لصالح القضية الفلسطينية في عقر العقل الجمعي الأوروبي، مهد الصهيونية الأول، وصاحب اليد الطولى تاريخيا في صياغة مشروعها الاستيطاني في فلسطين.