ارتبطت أحداث كبيرة وخطيرة مرت بالشمال الإفريقي مؤخراً، بظاهرة لم يقدر الكثيرون أهميتها وخطورة ما قد يترتب عليها، ألا وهي ظاهرة العولمة التي قلصت المسافات والأزمنة، وخلقت أطراً جديدة غير مألوفة للتواصل بين الأفراد، وأسهمت في تهديم حواجز كثيرة اقتصادية وسياسية وفكرية. فقد حظيت أحداث مصر التي أدت إلى إسقاط نظام الرئيس حسني مبارك الذي دام لمدة ثلاثة عقود من الزمن، باهتمام عالمي بالغ لما اتسمت به من تميز في نمط الحراك الاجتماعي، أخرج الشرق الأوسط من الركود الذي يتسم به، من جهة، ولما لمصر من أهمية في معادلات التوازنات الاستراتيجية في عموم المنطقة، من جهة أخرى.
وبالارتباط مع هذه الأحداث الكبيرة، جرى التطرق وبكثافة إلى الدور الذي لعبته منتديات التواصل الاجتماعي، مثل الفيس بوك والتويتر واليوتيوب في عملية التغيير. والحقيقة أن دور هذه المنتديات الافتراضية، لا يقل أهمية عن دور الأحزاب السياسية في قدرتها على تحشيد الجمهور، مع الأخذ بنظر الاعتبار الفوارق بينهما. فهذه المنتديات هي في الأساس منصات للتواصل الاجتماعي، وليست منظمات لقيادة الحملات الانتخابية وتحشيد الأنصار للتظاهر أو إشعال الثورات وإسقاط أنظمة الحكم.
موقع الفيس بوك، الأكثر شهرة، قد أنشئ خصيصاً للمساعدة في خلق مجتمعات افتراضية، رسالته هي وضع القدرات التكنولوجية الحديثة في خدمة أهداف من يسعى للتعرف على أصدقاء جدد وإدامة الصلات مع الآخرين، في عصر أصبحت فيه الصلات الواسعة ضرورية في شتى المجالات. ويحتوي الموقع على الكثير من وسائل الاتصال المختلفة والمتنوعة، وهو عالم قائم بذاته سكانه ينتمون إلى شرائح طبقية مختلفة، وإلى أجناس مختلفة في بلدان مختلفة.
من ميزات هذه المنتديات أنها ليست أحزاباً قد يخشى الفرد أو يتردد في الانتماء إليها، ولا يتطلب الاشتراك فيها تزكية من أحد، ولا تضع شروطاً للدخول إليها، ولا تفرض رسوماً مالية على المشتركين. ويستطيع أي شخص الدخول إليها وقتما يشاء، والخروج منها وقتما يشاء أيضاً. ويستطيع أن يعترض على ما يجري فيها من أطروحات لا يتفق معها، بلغة مهذبة إن شاء أو بلغة تتسم بالخشونة دون أن يعاقب أو يفصل، كما يحصل عادة إذا كان هذا الشخص عضواش في حزب سياسي يدفع ثمن خرقه لنظامه. كل ما يحتاجه للدخول إلى هذه المنتديات والاستفادة مما توفره من خدمات، هو توافر الإنترنت. وقد خلبت هذه المنتديات ألباب الشباب بشكل خاص، لأنهم الأكثر تأثراً بما جاءت به العولمة من انفتاح على الآخرين من جانب، وبسبب مهارات تكنولوجيا المعلومات التي حازوا عليها من جانب آخر. والحقيقة أن هذه المنتديات تتيح للجميع، سياسيين وغير سياسيين، لمن ينتمي في ولاءاته للسلطة الحاكمة ولمن ينتمي لمعارضتها، فرصاً متكافئة ومساحات متساوية لعرض موقفه والتسويق له، بآليات عديدة يتيحها المنتدى. فحين يدخل مسؤول كبير، رئيس الدولة مثلاً، إلى أحد هذه المنتديات لا يدخل مع حرسه ورجال أمنه ومخابراته، بل كما يدخل أي فرد آخر. فهو لا يستطيع إخافة الآخرين بجبروت أجهزته وبشاعة قوانينه وقراراته، فالتواصل عبر هذه المنتديات هو الأقل ضرراً، فقد يدخل الأفراد إليها بأسماء مستعارة.
والحقيقة أن التواصل بالوسائل الإلكترونية عبر هذه المنتديات أو عبر البريد الإلكتروني، قد برهن على أنه أكثر فاعلية وأقوى تأثيراً من وسائل أخرى استعملت في مناسبات سابقة في دول أخرى، لحشد الرأي العام والتمهيد للثورة. فلمسة واحدة لأحد مفاتيح الكومبيوتر، تتيح لمستخدمه إيصال ما يريد إلى آلاف الأشخاص فوراً.
أصبح من الصعب تجاهل أهمية هذه المنتديات في العمل السياسي، فهي منصات عظيمة للحوار وتبادل الأفكار وإنضاجها، وتحشيد الرأي العام خلف شعارات التغيير وجمع التبرعات لقيادة الحملات الانتخابية. ومن المعروف أن الرئيس الأميركي باراك أوباما ومنافسته على منصب الرئاسة هيلاري كلينتون، قد أعلنا عن ترشيح نفسيهما للرئاسة عام 2008 من خلال أحد هذه المنتديات، اليوتيوب. وتكتسب هذه المنتديات أهمية إضافية لدى قوى المعارضة التي حرمت من وسائل الإعلام، واضطرت لأن تغادر بلدانها أو أجبرت على ذلك.
ولكن من المبالغ فيه أن تنسب إلى هذه الوسائل التكنولوجية المتطورة كل ما حدث في مصر، فحسب الإحصائيات المتوافرة حول استخدامات الإنترنت في دول العالم، فإن 21٪ فقط من المصريين يتاح لهم استخدامها، في حين يتاح لـ80 منهم مشاهدة التلفزيون. كما أن الحكومة المصرية قد حجبت الإنترنت في السابع والعشرين من يناير، أي بعد يومين من اندلاع الانتفاضة ضد النظام، وعطلت إلى حد كبير شبكة الهواتف المحمولة، مما أفقد عدداً كبيراً من المتظاهرين القدرة على التواصل، إلا أنهم رغم ذلك تمكنوا من زيادة عدد المحتشدين في الأيام التي تلت. فالمنظمون لحملة الاحتجاجات قد عمدوا إلى استخدام وسائل أخرى للتواصل مع الآخرين، منها توزيع المنشورات ونقل الأحداث عبر التواصلات الشخصية واستخدام المساجد، وغير ذلك من الأماكن التي يتجمع فيها الناس عادة.
إلا أنه لا يمكن إنكار الدور الهام الذي لعبته، فقد أسهمت في خلق وتفعيل ثلاثة محاور هامة قادت في النهاية إلى الثورة المصرية، حيث ساعدت على مدى سنوات في بناء قاعدة سياسية جماهيرية واسعة في المدن الكبيرة، وخاصة العاصمة التي عادة ما تحسم فيها المواقف السياسية. تحشدت هذه الجماهير في هذه المنتديات الافتراضية قبل أن تتحشد في ميدان التحرير، في ظروف يحظر فيها تجمع بضعة أشخاص. وخفضت من سقف الممنوعات التي تقف عادة عائقاً أمام المبعدين السياسيين، وأسهمت في توفير منصة خطابية لهم للتواصل مع الآخرين، وأخيراً سهلت للمتظاهرين تطوير عملهم عبر تبادل الخبرات من التجربة الميدانية. والحقيقة أن هذه المنتديات والمواقع الأخرى على الإنترنت، التي يمكن من خلالها التواصل ونشر المعلومات والفيديوهات التي تدين هذا النظام السياسي أو ذاك، أو نشر مئات الآلاف من الوثائق السرية التي تعري من يتستر بليبراليته، لا تقلق الدول ذات الأنظمة الشمولية فحسب، بل دول العالم الغربي الديمقراطي كذلك.