منذ أن نشأت دولة الإمارات عام ‬1971، وهي تسعى إلى تحقيق الاستقرار الخليجي في المنطقة، من منطلق أن الأمن الخليجي منظومة واحدة غير قابلة للتجزئة، وأن ما يمس الأشقاء الخليجيين يمس الإمارات، والعكس صحيح.

هذا التوجه السياسي لم تتركه القيادة الإماراتية على مر السنين حبراً على ورق، بل عمدت على ترجمته إلى واقع ملموس في مختلف المناسبات والأحداث الخليجية، حيث تجاوزت الإمارات الكثير من المعوقات لأجل تحقيق الهدف الأعلى، وهو السلم والأمن الخليجيان، يقينا منها أن استقرار منطقة الخليج العربي سيعم بالفائدة جميع الدول الخليجية دون استثناء.

ولو تتبعنا خارطة السياسة الخارجية الإماراتية منذ العام ‬1971 وحتى الآن، نجد أن الإمارات قد قسمت جهدها الدولي إلى أربع بيئات مختلفة؛ البيئة الخليجية على اعتبار أنها البيئة المحيطة بها، والبيئة العربية التي تعتبرها الإمارات العمق الاستراتيجي لها، والبيئة الإسلامية على اعتبارات الأخوة الإسلامية، والبيئة الدولية على اعتبارات إنسانية.

وما يلفت النظر في سياستنا الخارجية، أنها تسعى إلى نشر السلام والتعاون الدولي، ونبذ العنف والإرهاب، وحل المنازعات بالطرق السلمية، ومساعدة الدول المنكوبة في مختلف أرجاء العالم، دون تمييز بين دولة وأخرى بسبب العرق أو القومية أو العقيدة، فهدفها الاستراتيجي واضح، وهو نشر الاستقرار في كل مكان يتاح لها أن تبذل فيه نشاطا ما، لأن استقرار العالم يعني استقرار الشرق الأوسط، واستقرار الشرق الأوسط يعني ضمنا استقرار منطقة الخليج. وكل ذلك يحدث دون أن تنتظر الإمارات مردودا أو فائدة من أي دولة أخرى، ذلك أن الهدف الإنساني أسمى وأرقى بكثير من فوائد وقتية تحققها السياسات الخارجية لباقي الدول.

وحري بنا هنا أن نستذكر بعض الشواهد والدلالات التي تدعم ما ذهبنا إليه، فالمساعدات الإماراتية الإنسانية إلى متضرري كارثة تسونامي عام ‬2007، ما زالت ماثلة أمامنا، وكذلك المساعدات الإنسانية وفرق الإغاثة التي بعثتها الإمارات إلى تشيلي بعد الزلزال الذي ضربها عام ‬2008، إضافة إلى المساعدات الإنسانية للدول الإفريقية الفقيرة. وهذا على المستوى العالمي، فهذه ثلاثة أمثلة تثبت أن الإمارات لا تميز في مساعدتها الإنسانية بين الدول بسبب العرق والدين والقومية، فالمثال الأول نموذج أندونيسيا الإسلامي، والمثال الثاني نموذج تشيلي المسيحي، والمثال الثالث النموذج الإفريقي الذي لا يمت بصلة للقومية العربية.

أما على المستوى الخليجي، فيبقى الحدث الأبرز، هو ما قامت به الإمارات من جهود إنسانية جبارة، لإغاثة الأشقاء الكويتيين بعد غزو العراق للكويت عام ‬1991، وما سبقه من جهود دبلوماسية كبيرة بذلتها الإمارات من أجل حل الخلافات العراقية الكويتية، بالحوار ونبذ العنف لأنه لا يوصل الطرفين إلى نتيجة. ومثال آخر هو ما قامت به الإمارات من جهود السلام لحفظ الأمن في البحرين واستعادة النظام، بعد الأحداث الأخيرة هناك، هذا فضلا عن أن قادة الإمارات، وبسعة الصدر المعروفة عنهم، ضحوا كثيرا من أجل وحدة البيت الخليجي وضمان أمنه واستقراره. فالإمارات اليوم تحتضن الكثير من الأيدي العاملة من أبناء دول الخليج العربية، كما وقفت الإمارات صفا واحدا مع دول الخليج، بعد الخلافات الأخيرة بين إيران والبحرين، لتؤكد انتماءها العروبي الخليجي.

ولعل سائلاً يسأل، على ماذا ارتكزت السياسة الخارجية للإمارات في توجهاتها هذه؟

إن هذه السياسة توافر لها عنصران تفاعلا مع بعضهما، لتصل الإمارات إلى ما وصلت إليه من مكانة إقليمية ودولية، وهما وجود قائد مؤسس يمتلك رؤية استراتيجية تتجدد عبر الزمن والأحداث، وهو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ووجود ثلاثي القيادة الإماراتية الذي استلهم تلك الرؤية وتفاعل معها لتصبح دليل عمل في كل المجالات، وهم الشيخ خليفة بن زايد، والشيخ محمد بن راشد، والشيخ محمد بن زايد رعاهم الله. وما يعجبني شخصيا في هذا النموذج القيادي الثلاثي، أنه لم ينشغل بمتاع الدنيا وإغراءاتها، بل عاهدوا الله وشعبهم على بناء الوطن، فشمروا على السواعد وكان لهم ما أرادوا. نعم، لقد رحل الشيخ زايد رحمه الله عن هذه الدنيا، فلقد كان معنا وصار فينا، ولكنه ترك لنا ألف زايد، كل زايد بفكر جديد ورؤية متطورة.

وهنا أود أن أشير إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن عوامل الإبداع القيادي لدى الشيخ زايد رحمه الله، لم تنبع من عوامل خارجية، كما هو الحال عند العديد من الرؤساء والحكام الذين أخبرنا التاريخ عنهم، بل نبعت من عوامل ذاتية ارتبطت بشخصية وأخلاق الشيخ زايد نفسه، فلم يصنع منه المنصب ولا وسائل الإعلام قائداً، وإنما الرؤية والحلم والنزاهة والأمانة. هذه السجايا هي التي خلقت عوامل الإبداع القيادي لدى الشيخ زايد رحمه الله، وهي التي جعلت رؤيته متطورة تتجدد عبر الزمن، ولم أجد من روعة الكلام ودقة البيان لوصف تلك الرؤية، سوى تلك الكلمات الخالدة لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حين يقول:

«يغيب الشيخ زايد عنا بجسده، لكن روحه وذكراه ستبقى أبد الدهر حاضرة، تلهمنا وتشد من أزرنا وتدفعنا إلى الأمام.. يغيب الجسد ويبقى الشيخ زايد حاضراً في الدولة التي بنى، والشعب الذي كوّن، والقدوة التي قدم».

طبعاً هذا النجاح لا بد أن يكون له حاسدون وحاقدون يتربصون به، فهم لا يطيقون المكانة المتميزة التي حققتها الإمارات على الصعيدين الإقليمي والدولي، ولا يريدون أن يروا شعب الإمارات وأهلها وهم في طريقهم إلى الذرى، تحت راية قيادة فذة همها الأول المواطن والتنمية والرفاهية.

ونحن نقول لهم؛ التحقوا سريعاً بقطار التنمية مع شعبكم، لأن هذا القطار لا يعرف التوقف، فهو يؤمن بأن قدرات الإنسان فوق كل مستحيل، وهذا القطار لن ينتظركم طويلاً، لأنه عاهد الله على المضي قدماً في خدمة الإنسانية، وإن تأخرتم فسوف يفوتكم القطار إلى الأبد.