محال على المُثقّف أن يكون حياديّاً. حتى قراءته للظّواهر، والكلمات الحاكية عنها، لا تفارق معاييره وتصوّراته الخاصة. وعليه، فلا تكاد تستوي أحكامه ورؤاه على نصاب منطقي، حتى تكون له فيها وجهةٌ، ونظرٌ، ورأي.
يُنظَر اليوم من طرف كثيرين إلى ما يحدث من تحوّلات على امتداد الجغرافيا السياسية العربية، بوصفه محض اعتراض على الفساد وسوء توزيع الثروة الوطنية. أو أنّه انفعال سلبي فرضته تراكمات الاستبداد السياسي.
فإذا احتدم الشارع، وسقطت حكومات وأنظمة، كان ذلك ـ حسب أولئك الناظرين ـ أدنى إلى منتج حتمي لغضبٍ شعبيّ منزّهٍ عن الولاءات الإيديولوجية.
في السّجال السياسي الإعلامي الذي يغطي ثورات تونس ومصر واليمن وليبيا، هناك ما يعكس هذه النظرة. وسنجد في زحمة السجال قولاً شائعاً مؤاده: إنها ثورة شباب جاءتنا على حين بغتة، وهي ثورة لا قبليات فكرية لها، ولا قيادات كمثل ما نألفه في الانتفاضات والثورات الشعبيّة..
وبالتالي لا غاية منها سوى نيل الحريات العامة وإسقاط الديكتاتورية. ولقد ظهر من تداعيات هذا القول، كما لو أنّ الحادث العربي على ضخامة مفاعيله، يجري على نصاب القَدَريّة والمصادفة.
ولأن واقع الأمر ليس كما يوصف، فلا نفع ـ في ما نتصوّر ـ من استئناف الظّنون بأن الطور العربي المستحدث، يتحرّك على غير هدى أو بيان. فلقد تبيّن على نحو لا ريب فيه، أن حراك الشارع العربي قد أَخبر عن ظاهرة ثوريّة متحيّزة، شكَّلها ثوريّون متحيّزون، يعلمون ما يفعلون، ويدركون الغاية التي من أجلها ملأوا الميادين.
كما تبيّن أيضاً أن الحراك الذي يبدو وكأنه يمرّ أمامنا كلوحة سوريالية، إنما هو فعلٌ واعٍ يستعيد هويات مضيّعة، مثلما يرنو إلى العثور على ولاءات وقيم جُعِلت سحابة زمنٍ طويلٍ، جسراً لدوام الاستبداد. أين هو إذن محل الإشكال؟
عندما تبدل العالم لينعقد على نصاب العولمة قبل نحو عشرين سنة، كان كل شيء يجري تحت ذريعة نهاية أزمنة الإيديولوجيا. كان يقال يومها، إن الدنيا صارت واحدة، ولا حاجة بعدئذٍ إلى إبراز الهويات وتشكيل العقائد السياسية. لكن بعد قليل من السنوات، سيظهر أن «دراما» الإنهاء ـ التي أخرجها بإتقان الجهاز الفكري لليبرالية الجديدة ـ سرعان ما انكفأت تحت جاذبية الإنشاء الإيديولوجي.
في ذلك الوقت، لم يقصد الذين تولوا تظهير فلسفة النهايات، سوى تعميق الإعصار الذي حلّ على الهويات والانحيازات والأطُر الإيديولوجيّة، وأنماط الأفكار في أواخر القرن العشرين. يومها أيضاً، كان أكثر الذين أُخذوا بأوهام النهايات من مثقّفي العالمين العربي والإسلامي، ينصرفون إلى قطع الصّلة بين الثقافة والسياسة.
وحُجّتهم، أن الوصل بينهما سيفضي إلى استئناف الاستبداد بألوانه المختلفة. ولقد فعلوا ذلك، ظناً منهم أن التحيّز في المجال السياسي سيأخذهم من جديد إلى معاقل الإيديولوجيا.
من هؤلاء من تحوّلت الأوهام لديهم إلى بنية فكرية، آلت في كثير من الأحيان إلى حركة سياسية، تنمو على الضفة المعاكسة لما كانوا أنشأوه من رؤى واعتقادات سابقة.
الذي يحدث اليوم سيأتينا بمعايير نظر جديدة، إذ مع ما نسميه «الجيولوجيا السياسية العربية» سوف ينشأ زمن جديد، تنكفئ معه أوهامٌ وفَرَضياتٌ وأنساقٌ شتى.
ومن المنطقي في مثل هذه الحال، أن يولد من حصاد التحوّلات ما يملأ الفراغات، مثلما يسمح بالإجابة على أسئلة مكثت ردحاً طويلاً في أرض الغموض واللّبس والتّحيُّر.
لم تكن صورة الشارع العربي وهو يفصح عن نفسه، بالاحتجاج السلمي حيناً والعنيف حيناً آخر، سوى ترجمة لطور مستأنف من أطوار الحكاية الإيديولوجية.
ولعلّ «الاندفاع المُستهدِف» إلى ميدان التحرير في مصر، أو إلى ساحات التّغيير في عواصم العرب الأخرى، إنّما تفسّره إرادة إشغال المكان الذي سيضفي عليه شاغلوه ما يشبه الروحانية السياسية، التي ينبغي أن تولد في محرابها الولاءات الجديدة.
وسنرى مع هذا الإشغال، كيف غدت الميادين والساحات أقرب إلى مرموزات إيديولوجية، تعكس طموحات وآمال وأفكار شاغليها على اختلاف اتّجاهاتهم ورؤاهم ومقاصدهم. وهكذا جاءت الصورة لتُفصح عن منظومة كاملة من المشاعر والتّطلّعات، غايتها إبطال البناء الإيديولوجي للسلطة، تمهيداً لإقامة الحد على النظام السياسي برمّته.
ولو انتقلنا من مجال توصيف الصورة إلى الوقوف على مغزاها، لوجدنا منظومة من القيم لا يدرك سرها إلاّ من اتّخذ لنفسه سبيلاً إلى جنة المواجهة. نعني بهم أولئك الذين نما وعيهم في مختبر القسوة، حتى بلغوا الدرجة التي جعلت كل محتجٍ فيهم يعي ويُدرك ضرورة التغيير وحتميّته.
في رحاب تلك المنظومة الجامعة بين الإرادة والوعي، سوف تتوفر للفاعلين القدرة على صناعة الحقائق الجديدة. فالبيّن في هذا المحلّ، هو أنّ كل فاعل فيه يشعر بنعمة الحضور، وأنه يغادر خوفه وصمته بشغفٍ لا نظير له، وأنه ينتقل من الهامش إلى المتن ليصير في قلب الحدث.
فعند هذه النقطة لن تعود الحرية بالنسبة إليه مجرّد قيمة افتراضية، وإنما هي حضور فعّال داخل الحيّز الذي تخيّره لها عن سابق وعيٍ وتصميم. ها هنا تمسي الحرية المتجليّة بانخراط كل فرد في صفوف آلاف الحناجر، هي الحاضر الأبرز في منطقة التحيّز.
وها هنا سيجد كل متحيّز وكأنه داخل في حيويّة ذات جاذبية فريدة، بها تتّحد التجربة مع المعرفة، وفيها يكون المجرب عارفاً بحقيقة المخاطرة التي اندفع إليها. ومعها يزول منه خوفه، وينفك من عقدته المزمنة.
وإذ يستقر به الحال في التّحيّز الآيل إلى الخلاص المؤمّل، تتحوّل ذاته إلى حضور في الآدميّة، ويصير شريكاً في قلب الحدث، ليسهم مع الشركاء الآخرين في التّغيير الشامل.
تلك هي منطقة التحيّز التي غالباً ما تفلح في الجمع بين المتباينات، وفي التقريب بين المتباعدات، وفي تحقيق الوئام والتفاعل يبن الوحدة والكثرة.
وهذا بالفعل، ما نرمي إليه، حين نتحدث عن المُمارسة الخلاّقة للمثقّف المتحيّز.. تلك التي تصدر منه عن تبصُّر متسامٍ بالأحداث، أو عن مبتعثٍ نبيلٍ أخذ به لتحقيق غاياته الكبرى.