ابتهجت كثيراً حينما رأيت شباب لبنان يخرج منادياً ومطالباً بإسقاط «النظام الطائفي». دعوة لا توجه سهامها إلى النظام السياسي القائم، وبالتالي فهي ليست خطيرة تستدعي الهلع والخوف واتخاذ إجراءات حاسمة ضدها، بل هي دعوة ـ إن شئت ـ ناعمة، ترمي إلى خلق نظام بديل يتواكب مع معطيات القرن الحادي والعشرين،.

 

وينظر إلى لبنان باعتباره وطناً لجميع أبناء شعبه، وإلى هؤلاء كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، وإلى الحكومة بوصفها أداة تعبر عن إرادة هؤلاء الحرة، ينتخب أفرادها، الذين سيكونون في خدمة الشعب، على أساس الكفاءة والبرنامج السياسي، وليس على أي اعتبار آخر، سواء كان دينياً أو مذهبياً أو مناطقياً.

 

فدولة النظام والقانون ـ كما يرفع هؤلاء الشباب الغضُّ شعارها ـ لا تحتاج إلى أن يكون المسؤول الفلاني من هذا الدين أو ذاك، أو من هذه الطائفة أو تلك، وهي بالقطع لا تستلزم أن يكون من العاصمة أو الجنوب أو الشمال.

 

فالمسؤول الحكومي مهما علت رتبته، عليه أن يطبق القانون الذي ارتضاه الشعب، وإن هو لم يفعل لن ينتخب ثانية أو ربما يحاكم، كما تجري الأمور في البلدان التي سبقتنا في تطبيق الديمقراطية.

 

وظني أن هذه الدعوة ستلاقي الترحيب والتأييد ـ على الأقل ظاهرياً ـ من كل القوى السياسية، فالدعوة إلى التخلص من النظام الطائفي والمحاصصة، لا تقتصر على لبنان، بل تمتد إلى دول عربية كثيرة، لعل أبرزها العراق الجديد.

 

ولعل هذه الدعوة الشبابية هي إحدى ثمرات حركة الثورة العربية المباركة، وواحدة من أزهار ربيعها اليانع. وهي إن قيض لها النجاح ـ والطريق أمامها وعرة ـ فستكون علامة فارقة في قدرة الشعوب العربية على مسايرة النظام المعولم الجديد، الذي باتت أجهزت التواصل فيه تخترق جميع الحجب، لتنسج من مكوناته المتناثرة دينياً وقومياً وفكرياً، ثوباً جديداً يلف عقول شباب هذه المرحلة.

 

الثورات العربية أيضاً «ردت الاعتبار» للإنسان العربي في عيون العالم، الذي كان يتصوره إنساناً ذليلاً مستكيناً، أو إرهابياً متعصباً لا يقيم للمعايير الحضارية أي وزن.

 

هكذا وجدنا ألفاظاً مثل «ارحل» و«سلمية»، ترفع في مظاهرات شعوب شتى ليس بينها وبين لغة الضاد أي علاقة!! وأغلب الظن أن هذين اللفظين سيدخلان قواميس اللغات الأجنبية، كما دخل لفظ «فلاّح» القاموس الإنجليزي في القرن الماضي، أو كما دخل لفظ الجهاد نفس القاموس في القرن الماضي.

 

ولعل من آيات رد الاعتبار هذه للإنسان العربي أيضاً، موقف مجموعة من الإسرائيليين الذين تبوؤوا مراكز مهمة في الدولة العبرية، وعلى وجه الخصوص أجهزة المخابرات والجيش.

 

ودعوتهم إلى حل الدولتين القائم على حدود الرابع من يونيو ‬1967 واعتبار الجزء العربي من القدس تابعاً للدولة الفلسطينية. وهذه ربما أول مرة يصدح فيها بمثل هذه الآراء، مسؤولون إسرائيليون مرموقون خدموا دولتهم في أكثر أجهزتها حساسية.

 

أما التأثير المباشر الذي عم الوطن العربي من أقصى بلاد العرب إلى أقصاها، والذي جاء فيئاً من حركة الثورات والاحتجاجات التي ما زالت متوالية.

 

والذي أحس فيه كل مواطن بأهمية لقمة عيشه، فهو هذا الاهتمام الفجائي بحياة الإنسان العربي ورفاهيته، الذي وجدناه وقد دبّ هنا وهناك. وبالطبع ليس الكلام هنا على كل الحكومات، فهي تختلف في درجة اهتمامها والخدمات المجانية أو شبه المجانية التي تقدمها.

 

ولكن الحديث عن الظاهرة التي عمت، وشملت الوعد بحل مشاكل العاطلين عن العمل، وفي بعض الأحيان توظيفهم بشكل مباشر، وزيادة الرواتب والمعاشات التقاعدية، وغيرها من الضرورات التي لا تستقيم من دونها الحياة الكريمة.

 

ولعل هذا جانب مهم، فالضغط الشعبي الذي ولدته تلك الثورات وحركات الاحتجاج، جعل الجميع يرى أن ثمة مناخاً وبيئة خصبة يترعرع فيها السخط والغضب، ومن ثم الرغبة في التغيير، وربما أكثرها وضوحاً تفشي البطالة بين الشباب الذين يمثلون أكثر من نصف سكان الوطن العربي.

 

وبالطبع، المأمول أن تتجاوز نزعة الحكومات لحل المشكلات الحياتية للمواطن العربي، مرحلة ردات الفعل الآنية، لتنتقل إلى معالجة صلب تلك المشكلات، بتركيزها على التنمية الاقتصادية والاستفادة من الثروات الطبيعية، والتنوع في عمليات الإنتاج، وربط التعليم ومخرجاته بالتوجهات الأساسية للمجتمع، بحيث يتم استيعاب الخريجين في أسواق العمل.

 

وهذه الثورات لا شك أعطتنا دروساً وعبراً وعظات حول وجوب الإصلاح، بل وضرورته، مواكبة للعصر وما يموج به من أفكار باتت في متناول الجميع، وبالذات فئة الشباب. وبالتأكيد، فكل العقلاء يرحبون بأسلوب التدرج والخطوة خطوة، وهو أسلوب يقتضي الحكمة وقراءة التاريخ ومشاهدة الواقع، ويقتضي أيضاً الجرأة.

 

فما نتخذه اليوم من قرارات من وحي بصيرتنا وفي جو هادئ، سيكون وقعه لا محالة إيجابياً في النفوس، غير تلك القرارات التي نضطر إلى اتخاذها اضطراراً ونحن تحت ضغط الشارع، أو خوفاً من انتقال العدوى إلينينا.

 

حقاً أن الثورات معالم في حياة الأمم، لا تلجأ إليها الشعوب إلا وهي مكرهة، وهي لم تكن لتفعل ذلك لو وجدت لها من القادة الحكماء من يأخذون بيدها لنيل ما تصبو إليه.