زجت الأحداث الجارية في المنطقة العربية دول الخليج العربي الأعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي إلى قلب الأحداث الدائرة، مما فرض على دول الخليج تبني استراتيجية جديدة في التعامل مع هذه المعطيات.

 

إلا أن الملاحظ حول هذه الاستراتيجية هو أن دول الخليج العربية مازالت تقبع في نطاق التوافق وليس الإجماع، أي التوافق حول أهمية التعامل مع تلك التطورات .

 

ولكن ليس الإجماع حول استراتيجية تعامل واحدة معها. فدول الخليج مازالت ورغم خطورة الأحداث والتطورات الجارية من حولها متباينة فيما بينها حول حجم الرد أو طريقة التعامل مع تلك التطورات.

 

ففي الوقت الذي يتميز فيه الموقف الخليجي بالتوافق حول مجمل الأحداث وضرورة التعامل معها، إلا أنه لا يوجد إجماع حول الكيفية التي يجب التعامل مع تلك التطورات، الأمر الذي لا يصب في صالح العمل الخليجي المشترك.

 

ففي كل من مصر وليبيا واليمن نجد أن قطر أخذت منحى أكثر راديكالية وتشدد، فيما تفاوتت الدول الخليجية الأخرى في حجم الدعم. وحول سوريا ما زالت دول الخليج تقرأ التطورات.

 

أما عن البحرين والتدخلات الإيرانية لإثارة الفتنة الطائفية في ذلك البلد فنجد أن الدول الخليجية متفقة على خطورة الوضع إلا أنها غير مجمعة حول درجة الرد على تلك التدخلات.

 

المعضلة فيما يتعلق بدول الخليج العربية هي أنها جميعها تدرك أن مصيرها مشترك، حيث إن أي تهديد لأية دولة خليجية هو تهديد للجميع وسيلقي بظلالة على أمن واستقرار الدول الخليجية الأخرى، أي أن نتيجة الخطر مشتركة، إلا أن الواضح أن تعامل الدول الخليجية مع الأحداث والقضايا لا يتماشى مع ذلك الإدراك.

 

فمثلاً عندما نجد قطر تساهم بشكل فاعل سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وأخلاقياً في دعم الثوار ضد نظام الرئيس الليبي معمر القذافي، فإن تداعيات هذا الموقف في حال إذا ما سارت الأمور عكس ما تأمله الدوحة لن يصب في صالح الدول الخليجية بأسرها ولن يقتصر الأمر على قطر فقط.

 

فما يمكن أن يقوم به معمر القذافي من أعمال انتقامية في حالة انتصاره على الثوار لن يقف تأثيره على قطر وحسب بل سيشمل الدول الخليجية بأسرها باعتبار أن أي تهديد لدولة خليجية هو تهديد للدول الخليجية بأسرها، وستضطر الدول الخليجية إلى أن تجد نفسها في دوامة جديدة من الأخطار.

 

ذات الأمر يمكن أن يقال حول إيران، فالتهديدات الإيرانية للسعودية لن تتوقف عند حدود السعودية إذا ما سعت طهران تنفيذها بسبب الدعم الخليجي للبحرين بإرسال دول الخليج لقوات درع الجزيرة في محاولة منها لحد فتيل الفتنة في الداخل البحريني.

 

عدم الإجماع في المواقف هذا لا يخدم العمل الخليجي المشترك ولا يحقق الأمن الخليجي، حيث إن الواقع يتطلب من دول الخليج أن تكون أكثر انسجاما ووحدة في القضايا المحورية التي تمس أمنها واستقرارها

 

. فالأمن المشترك يقضي على الدول الخليجية أن تعمل بشكل مشترك، حيث إن الخطر سيكون في النهاية على الجميع ولن يخص طرفا دون الآخر، وبالتالي فإن المسؤولية يجب أن تكون أيضا مشتركه.

 

ولعل التطورات الراهنة تحتم على دول الخليج العربية بأن تُنظم أولوياتها في التعامل مع مجمل الأحداث، حيث لا يمكن لدول الخليج أن تكون طرفاً في جميع الأحداث، بل عليها تنظيم أولوياتها الأمنية من منظور المصلحة الخليجية المشتركة، وتضع كل إمكانياتها وقدراتها في مواجهة المخاطر التي يمكن أن تبرز وفقاً لتلك الأولويات.

 

ولعل خطر الفتنة الطائفية وتأثيرات ما يدور في المنطقة العربية من تطورات وأحداث على دول المنطقة الخليجية هو الذي يجب أن يكون ذا أولوية في فكر واستراتيجيات دول الخليج في المرحلة الحالية. صحيح أن ما يدور من حولنا من تطورات عربية في مصر وليبيا وسوريا يهم أمن المنطقة الخليجية.

 

ولكن يجب أن تُسخر الإمكانات لما يمكن أن تشكله تلك التغيرات من تأثيرات سلبية على أمن واستقرار المنطقة وليس الدخول في مغامرات قد يكون لها تأثيرات سلبية على أمن منطقتنا الخليجية.

 

إن أهم ما يشغل المنطقة الخليجية من تأثيرات في الوقت الراهن مرتبط بمحاولات إثارة الفتنة في الداخل الخليجي بين طوائف المجتمع من أجل تحقيق أجندات خارجية لا تصب في صالحنا،.

 

وهو ما يستحق من دول الخليج أن تستثمر جهدها فيه، بالإضافة إلى المسألة اليمنية وما يدور في اليمن من تطورات وأحداث، هاتان القضيتان هما أكثر القضايا التي يجب أن تُعطى الأولوية في حسابات دول الخليج العربية في الوقت الراهن، نظراً لارتباطهما المباشر بأمن واستقرار دول المنطقة.

 

فالتجانس المجتمعي والمواطنة الصالحة وأمن وسلامة اليمن هما ما يجب أن توليه دول المنطقة أهمية قصوى في الفترة الراهنة وبشكل من المفترض أن يفوق كل الأمور الأخرى. فتقوية البيت الداخلي هو الكفيل بتحقيق أمن واستقرار المنطقة وليس الاستثمار في قضايا عربية بعيدة كل البعد عنا جيوستراتيجياً.

 

إن الشارع الخليجي ليس بمعزل عن الشارع العربي، فما يدور في المنطقة العربية بلا شك يؤثر على الداخل الشعبي الخليجي.

 

لذلك فإنه يجب أن تكون من ضمن أولوياتنا هي دراسة تلك التأثيرات ومحاولة التعامل معها بشكل عقلاني يساعد على تحقيق الأمن والاستقرار في الدول الخليجية ويحفظ لها كيانها السياسي ويبعد عنها خطر التدخلات الخارجية.

 

لقد اتضحت لنا الأمور جلية خلال الفترة الأخيرة، وأصبحنا أكثر إدراكاً وتمييزاً لهوية من يريد لنا الشر.

 

لذلك على دول الخليج أن تنطلق من هذا المنطلق مستفيدة من تلك التطورات لتعزيز عملها المشترك كوحدة واحدة ضد الأخطار المحدقة بها، وتقوية بنيانها السياسي بممارسات تحقق المواطنة واحترام الحقوق في ظل خصوصية دول المنطقة.

 

وتغلق بالتالي الباب أمام كل من يحاول العبث بأمن واستقرار الداخل الخليجي لمصالحه البعيدة عنا؛ وأن نتعامل مع ما يحدث في اليمن من منظور المصلحة الخليجية المشتركة بحيث نكون أكثر حضوراً في هذه القضية عن غيرها من القضايا.

 

فجهدنا يجب أن يتركز حول هذه القضايا باعتبارها أولوية قصوى للتعامل مع الوضع الراهن وبناء المستقبل المزدهر لدول الخليج العربي في ظل المتغيرات العاصفة التي تحدق بالمنطقة.