في السابق، كانت ثورات الشعوب ينهض بها ويدفع ثمنها ويقطف ثمارها أصحابها. أما اليوم فقد أصبحت الثورات من ضمن القضايا التي يساوم عليها. وصارت كالطريدة التي سقطت فتجمعت عليها الضباع. وكل يحاول الاستئثار بها.

 

فقد تحولت الثورات في ليبيا واليمن والآن أضيف إليهما تحرك الشعب السوري، إلى قضية مساومات على أصعدة عدة. حتى الثورة الكبرى في مصر وتونس.

 

وبالرغم من أنها نجحت في سرقة الوقت قبل تدخل القوى الخارجية، إلا أن هذه القوى صعب عليها أن تجد نفسها قد تحولت إلى متفرجة على غليان وانقلاب وتغير الأحوال في دول كانت حتى الأمس هي الآمر والناهي عليها في تقرير مصير شعوبها.

 

وعز عليها أن لا تكون هي من يحرك الشارع العربي. فسارعت بعد أن استوعبت ما يحدث على أرض الواقع، لتندس بكل عنجهية ما بين محركي تلك الثورات مرة بالنصيحة، وأخرى بالدعم المادي أو التحذير. حتى أمسى العالم يربط مصير تلك الثورات بمدى إنصاتها إلى منطق العقل وإلى ما يقوله الكبار في تلك المسألة.

 

ليس من السهل أن يقدم الرجال أرواحهم للحصول على حرياتهم وضمان مستقبل أبنائهم، غير أنه من المؤلم أن يتدخل الغرباء المتفرجون ـ ممن كانوا أعداء هذا الشعب وداعمي النظام السابق - لكي ينسبوا لأنفسهم نصر الثوار. نحن لا ننكر أنه لولا تدخل فرنسا والولايات المتحدة في دعم الثوار في ليبيا لاختلف الأمر تماما في ساحة المعركة، وقضي عليهم.

 

إلا أن هذا التدخل المر أفقد الاحتفال بانتصار (الثوار) في ليبيا طعمه الحلو، مع أن المعركة لم تحسم بعد. فهذا الانتصار إن تحقق سيكون أولا انتصارا للرئيس ساركوزي بشكل خاص، ولحلف الناتو بشكل عام. وفي آخر المطاف سوف يصنف كانتصار للثورة.

 

الثوار في ليبيا وفي اليمن وقعا في أكثر من فخ؛ الأول أنهم تصورا أن سيناريو الثورة في كل من مصر وتونس سيتكرر لهم في ليبيا وفي اليمن. وخرجوا بنفس الأسلوب واعتصموا في نفس الساحات بعد أن أطلقوا عليها ساحة التغيير وحملوا نفس الشعارات على الوجه والصدر والراحتين.

 

وغفلوا عن اختلاف التوقيت والمباغتة والتكتيك المطلوب ولم يتنبهوا إلى مدى الاختلاف في تكوين شخصيات رؤساء كل بلد. وظنوا أن مجرد التظاهر في ميدان من الميادين سوف يحقق لهم مطالبهم بأقل الخسائر المتوقعة في الأرواح. غير أن لكل بلد عربي طابعه الخاص به.

 

ويجب أن يتعامل معه بشكل مختلف تماما. وإذا بالثوار في ليبيا واليمن يقعون في مصيدة نظام لا يعرف الرأفة ولا التفاهم وقادر بكل وسائله المتاحة على إجباره على طلب النجدة من الغرباء عن الوطن، ممن لا يشمون سوى رائحة النفط.

 

وربما كان كل من العقيد معمر القذافي والرئيس علي عبدالله صالح بخبرتهما الطويلة في المناورة وفي مقارعة الخصوم، يقصدان من خلال ذلك إلى جرجرة الثوار إلى تحويل انتصارهم إلى أنصاف انتصار بفضل التدخل الخارجي.

 

فقبلهم، دفع الشعب العراقي ثمنا غاليا من أجل قلب نظام البعث لديه، لكنه مازال يشعر بداخله بوخز الضمير عندما يتذكر فضل جيوش التحالف التي حررته وحررت بلده من ذلك النظام.

 

وأن الفضل يعود في البدء وفي النهاية إلى أساطيل وصورايخ وجيوش وتكتيك الولايات المتحدة والدول الحليفة لها في سقوط الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وليس المقاومة التي ولدت بعد ذلك بزمن.

 

الدول الكبرى لا تريد للشعوب العربية النجاح في ثوراتها وبأي شكل من الأشكال بصناعة أيد محلية مائة بالمائة، وبعد أن فاتتها الفرصة في تونس ومن بعدها مباشرة في مصر، (لعدم توقعها حدوث كل ذلك في فترات زمنية قصيرة ومتقاربة)، سارعت في حصار الثوار في ليبيا .

 

واليوم في اليمن بهدف عدم تكرار نفس التجربة كصناعة محلية دون أن تكون دول العالم الغربي هي راعية تلك التغيرات. إن الثوار في ليبيا اليوم هم رهن إشارة الرئيس ساركوزي الذي قرر أن يحارب في ليبيا لكي يكسب الانتخابات الرئاسية القادمة في فرنسا.

 

ولن يجرأ أي منهم بعد اليوم على معارضة تعليمات ساركوزي أو حتى المعتدل أوباما. والخوف أن لا تتعمد تلك الدول في المماطلة واللعب على أعصاب الثوار هنا وهناك بغية إذلالهم حتى إيصالهم إلى حالة ما بين الحياة والموت.

 

ويمكن تشبيه وضع ثوار ليبيا هذه الأيام بين ضربات كتائب القذافي والدعم الخجول لحلف الناتو لهم كالغريق يطارده قطيع من أسماك القرش وهو متعلق بعصا يمده له صاحب قارب نجاة.

 

وقبطان هذا القارب هو باختصار: نيكولا ساركوزي.هكذا تسلب وتسرق ثورات الشعوب العربية كما تسلب وتسرق ثرواتهم.

 

لا أحد يختلف على أن المهم في نهاية المطاف هو التغيير نحو ما هو أفضل لشعوب تلك البلدان الثائرة والواقعة بين السندان والمطرقة، والوسيلة قد تبرر أحيانا الغاية، وأيا كانت الوسيلة، وأيا كان الداعم.

 

ويجب أن نعترف أن الشعب الليبي واليمني ليس أمامهما اليوم من خيار آخر غير القبول بالدعم الخارجي. غير أن هناك من يرد بأن من نادوا بالثورة كان من الواجب عليهم أن يحسبوا ألف حساب قبل إطلاق الصيحة الأولى.

 

فهم فيما يبدو لم يعدوا لعدوهم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل، ودخلوا ميدان التغيير بغير خطة ولا سلاح ولا قائد متمرس على المناورة في المواجهات الشرسة التي نشاهدها اليوم على شاشات التلفزة.

 

وقد انتبهت دول مجلس التعاون إلى مأساة الشعب اليمني قبل أن تصل ذروتها وتدخلت في الوقت المناسب بطرح مبادراتها بغرض أولا تقليل الخسائر في الأرواح إلى أدنى ما يمكن، وثانيا لكي تمنع من أن تتم المساومة على ثورة الشعب اليمني وتتم سرقتها من خارج المنطقة.

 

إن ما سيدفعه الشعب الليبي واليمني مقابل العون والدعم الخارجي باهظ جدا وسوف يلقي به في دوامة ديون الاستعمار الأجنبي المادية والنفسية إلى أن تقوم ثورة أخرى مضادة.

 

فهل سيعتبر الثائرون في الطرف الآخر من العالم العربي، في سوريا تحديدا مما حصل في العراق من قبل وما يحصل في ليبيا وفي اليمن هذه الأيام؟

 

لقد أخذ الشعب السوري حذره فيما يبدو من المنتظرين على أبواب الثورة الجديدة وحتى هذه اللحظة مازال يرفض أي تدخل أجنبي في مسار ثورته.