كيف تؤثر ثقافتنا الاجتماعية على نظرتنا للآخر وسلوكنا تجاهه ومواقفنا منه ومعرفتنا الجيدة له؟
وهل صحيح أننا لا نتعرف إلا على من نحس أن مواقفه تجاهنا ايجابية وسلوكه تجاهنا لا تشوبه شائبة، أما ذاك الذي نحس أن سلوكه تجاهنا سلبي ومواقفه مختلفة أو غير منصفة فلا نحاول أبدا أن نتعرف على ثقافته.
ولا يهمنا أن نعرف رأيه فينا ولا كيف يؤطرنا ثقافيا وحضاريا؟ وهل تؤثر نظرة الآخر السلبية لنا على قضية تقبلنا لمكوناته الحضارية وثقافته أو بمعنى أدق منتجه الثقافي والأدبي؟
المتعارف عليه ثقافيا أن «الآخر» هو المختلف عنا عرقيا أو حضاريا أو فكريا وثقافيا، أي «الضد». وبالطبع هناك «آخر» منا يعيش معنا ولكنه يخالفنا الرأي والمواقف والاتجاهات الايديولوجية والسلوكية وهو الآخر «المثل».
هذه الفروقات في النظرة للآخر هي التي تؤجج اليوم الاختلافات الفكرية وتجعلنا غير قادرين على النظر للآخر، سواء المثل أو الضد بحيادية أو إنصاف، موقفا يجعلنا على الدوام نلقي اللوم على الآخر في حالة ما وقعنا في خطأ ما أو اتهمنا بالتقصير تجاه موقف أو حدث معين.
هذا الموقف يطلق عليه النظرة النمطية وهي تلك النظرة التي تؤطر للعلاقات بين الناس وتجعلنا نتحرك ونفكر في إطار معين مهما تغير الزمن والحدث والسلوكيات.
فكم من نظرة نمطية أعاقت علاقات بين مجموعات بشرية كان في إمكان تلك العلاقات لو نشأت أن تغير مجرى حياة كلا المجموعتين.
وكم من نظرة مسبقة أعاقت التعرف على ثقافة الآخر وفكره وسلوكه، وكم من نظرة مسبقة منعت نشأة علاقات حيوية بين مجموعتين بشريتين مختلفتين تعيشان جنبا إلى جنب في مجتمع واحد. إنها النظرة النمطية المسبقة التي تؤثر على العلاقات بين البشر وتمنع التقارب بين البشر إلا من خلال منظار معين.
قبل أن نبدأ بتشريح تأثير الصورة النمطية تلك نضع نقاط الاختلاف مع الآخر على السطر لتوضيح كيف تقودنا هذه الصورة للتعاطي مع ثقافة الآخر ونتاجه المادي والأدبي. ولا نقصد «الآخر» هنا ذاك الذي تتسم مواقفه تجاهنا بالايجابية فقط، بل الآخر المختلف عنا كليا.
ففي الذهنية العربية أصبح الآخر هو الغرب كما أصبح الآخر في الذهنية الغربية هو المسلم في بلدان المشرق. وهذه الصورة هي نتاج لصراع تاريخي طويل بين الطرفين تأجج عبر العصور بسبب سياسات وممارسات أيديولوجية من قبل كلا الطرفين.
فظهرت صورة نمطية معينة للعربي المسلم في الذهنية الغربية كما ظهرت صورة نمطية معينة عن الغربي في الذهنية العربية.
هذه الصور النمطية ظهرت وتأثرت بالثقافة الاجتماعية لكلا الطرفين وانعكست على مواقفه وسلوكياته الاجتماعية وما يتوقعه من الآخر وما يشكله له من قيمة. فبينما عمل الغرب على إقصاء الآخر حضاريا مع إبقاء الجسور مفتوحة معه، ليس حبا فيه .
ولكن لرغبته في اكتشاف أسرار ثقافة الآخر وحضارته وحتى لغاته، عملنا نحن أيضا على التقرب للآخر، ليس رغبة في التعلم والاستفادة منه ولكن لأسباب خاصة بنا. فنحن نمد الجسور مع الغرب لإحساسنا بالدونية لأن الآخر يمتلك من القوة والقدرات العلمية والتقنية ما يفوقنا بكثير، هذا بالإضافة إلى أنه يتفوق علينا في كل شيء مادي.
ما عدا ذلك الإطار، لم نحاول كثيرا فهم حضارته ولا سلوكياته لأن هناك نظرة مسبقة تؤطره في إطار معين. فقد حكمنا عليه بأنه منحل أخلاقيا، لا تهمه إلا مصالحه المادية الخاصة، ليس لديه منهاج حياتي سوى، وليس لديه مبادئ حياتية أخلاقية.
هذه الصورة النمطية من قبل كلا الطرفين أججت الخلافات الثقافية والحضارية وجعلت هناك مساحة كبيرة لسوء الفهم بيننا وبين الآخر. سوء الفهم هذا انعكس على سلوكياتنا ومواقفنا تجاه الآخر كما أثر على مواقف الآخر تجاهنا. فظهرت فئة متشددة من قبل كلا الطرفين تطالب بإقصاء الآخر والتحذير منه.
الغرب يردد مقولة الصراع الحضاري والشرق يردد مقولة الاستعمار الفكري دون التوصل إلى أرضية مشتركة.
هذه الطريقة في التعامل مع الآخر من قبل كلا الطرفين أثبتت عدم جدواها بل وخطأها الجسيم في الكثير من الأحيان.
فمن جانبنا، أثبتت الأزمة الاقتصادية مثلا أن ليس كل من انتقدنا فهو حاقد ومخطئ وصاحب مصلحة شخصية ويريد النيل منا ومن انجازاتنا، بل ان هناك من وجه لنا نقدا موضوعيا يبين لنا صورة مختلفة عن واقعنا لم نكن نحن منتبهين لها أو قادرين على رؤيتها من كافة الجوانب. فنتيجة لضبابية الصورة وتأثرنا بصورة نمطية مسبقة لم نتنبه لذلك الواقع كثيرا.
من الجانب الآخر تظل الصورة النمطية عنا في الذهنية الغربية والمتأثرة كثيرا بسلوكيات الآخر ترمي بظلالها على كل موقف يصدر منا حيث يتم تأويله بطريقة غير موضوعية وغير منصفة ولا علاقة لها بتوجهاتنا وأخلاقياتنا قدر تأثرها بثقافة الآخر ونظرته المسبقة عنا.
فمثلا قد يتم تأويل القبض على متعاطي المخدرات والكحول على أنه انتهاك لحرية الإنسان أو تأويل من كسر القانون على أنه انتهاك لحقوق الإنسان.
هذا ما يخص الآخر «الضد»، أما الآخر «المثل» فقد اعتبرنا سلوكياته وأفكاره تجاوزا للأعراف ونقده غير ايجابي. وهكذا أغلقنا جميع قنوات الاتصال مع الآخر «المثل» أو«الضد».
هذه المواقف تجاه الآخر المختلف عنا في الرأي والفكر والاتجاهات الايديولوجية لها سلبيات عديدة. فهي لا تبقي قنوات الاتصال مع الآخر مغلقة فقط بل تبقينا في جهل عما يكنه أو يضمره الآخر لنا.
فقد بقينا سنوات لا نقرأ إلا لمن يكتب يمدحنا ويمدح انجازاتنا فقط لنصطدم بعد ذلك بحقائق كنا غافلين عنها. ظللنا سنوات لا نقرأ النتاج الأدبي للآخر لأنه يخالفنا الرأي.
لقد بقينا سنوات لا نعرف عن الآخر «المثل» و«الضد» إلا الرتوش لنكتشف في النهاية أننا لا نعرف عنه شيئا.
إن بقاء هذه العلاقة غير السوية بين الطرفين معيقة للتواصل والحوار الحضاري مع الآخر. فبدون التواصل القائم على إزالة كافة الصور النمطية المسبقة والاعتراف بالاختلاف مع الآخر لن نفهم لا الآخر ولا حتى أنفسنا.
فالصورة السلبية مهما كانت قاسية هي التي تعطينا الحافز على مراجعة ومحاسبة الذات ومعرفة ما حققناه معرفة جيدة.