«علمانية الهوية، دينية الهوى»، هكذا يطلق على الولايات المتحدة الأميركية، وهو وصف مركب وفيه كثير من التناقض الذي ينسجم وإشكالية تكافؤ الأضداد في الروح الأميركية الواحدة.
غير أن الباحث في جذور الإمبراطورية الأميركية، يوقن أن الروح الدينية كانت ضاربة جذورها منذ سنوات التأسيس الأولى، وبالأحرى منذ رحلة البحث عنها واستكشافها، وربما كان هذا هو المدخل الحقيقي لقراءة الفكر السياسي الأميركي، الذي هو مزيج من التاريخ والدين والسياسة والمؤامرة في آن واحد.
وربما لا يدرك الكثيرون أن اكتشاف العالم الجديد، المتمثل في أميركا بشمالها وجنوبها، إنما كان الباعث الديني عاملا مؤثرا ومهما فيه، فقد أدى فشل الحملات الصليبية إلى ضرورة اكتشاف أميركا.
ويرجح المؤرخ الأميركي وول ديورانت، أن يكون أجداد كولمبس من اليهود الأسبان الذين اعتنقوا المسيحية في الظاهر، والمعروفون باسم يهود «المارانوس».
وهاجوا إلى إيطاليا، والدليل القوي على أن الدم العبري يسري في عروق كولمبس، هو ميله وحبه الشديدان لليهود، على حد تعبير ديورانت.
كان الصراع الديني في ذلك الوقت على أشده في أوروبا، لا سيما بين التيارات البروتستانتية والكاثوليكية، وبين جماعات البيوريتانيين وحكام عدد من دول أوروبا،.
وقد رأى عدد بالغ من هؤلاء أن أميركا الأرض الجديدة المكتشفة، هي أرض الميعاد الجديدة، مستخدمين نفس التعبير العبراني لدى خروجهم من أرض مصر، وأن عليهم الهجرة إليها كما هاجر بنو إسرائيل سابقا.
والهجرة هنا هي رجاء وأمل، وبالنسبة لهم كان الإيمان هو الدافع إلى الرجاء، فالفرد يعيش على رجاء القيامة والحياة الأخرى بالنسبة للمسيحيين عامة، لكنه عند هاؤلاء رجاء المملكة المسيحية المنتظرة، بالنسبة للمؤمنين بالملك الألفي الذين يوقنون بصيرورة العالم أجمع إلى المسيحية، ومن ثم مجيء المسيح وحكمه معهم ألف سنة.
وقد وجد المتطهرون الأوائل في أميركا أرض الميعاد التي سيقيم فيها الله للمؤمنين وطنا ومملكة للخير.
وهذه الرؤية الدينية التي جعلت من الأرض الأميركية أرضا لها طبيعة دينية خاصة، هي التي جعلت المهاجرين الأوائل يتميزون بحالة إيمانية خاصة، فأرض الميعاد لأصحاب الميعاد، لذلك بدأ يظهر بين الأميركيين الأوائل شعور بأنهم شعب مختار أو مميز.
وهذا الشعور ما كان له أن يتأكد إلا من خلال التوحد مع الشعب اليهودي، كتصور كتابي ديني وكشعب يوجد بالفعل. لقد رأى الأطهار الأوائل من المهاجرين الأميركيين، أنفسهم شعبا يهوديا جديدا أو امتدادا للشعب اليهودي.
كان الكتاب المقدس، كما يقول «كليفورد لونغلي» في مؤلفه «الشعب المختار»، هو كتاب الثوريين في المستعمرات الأميركية، عندما اتسع النزاع مع البريطانيين حتى وصل إلى نقطة اللاعودة.
ولم يتضح هذا على نحو أفضل من اجتماع الكونغرس القاري الأول، الذي اجتمع في سبتمبر 1774 عندما باتت الحرب وشيكة، وعندما وصلت أنباء قصف المدفعية البريطانية لبوسطن إلى فلاديلفيا، حين قام القس «جاكوب دويتشي» بقيادة الصلاة في المجلس.
لم يكن جاوكوب من البيوريتانيين، لكنه اختار نصا يمكن من فهمه القول بوضوح إن أميركا تجند الكتاب المقدس في صفها في الصراع القادم، إذ يضع أميركا مكان إسرائيل، ويصلي أن يدافع الرب عن أميركا اليوم كما دافع أمس عن بني إسرائيل.
اختار دويتشي المزمور الخامس والثلاثين، والذي يقول فيه داوود «خاصم يا رب مخاصمي، قاتل مقاتلي، امسك مجنا وترسا وانهض إلى معونتي».
وبافتتاح الكونغرس القاري بتلك القراءة والصلاة التي أعقبتها، قدمت أميركا نفسها بصورة رسمية مكان بني إسرائيل، وبذلك كانت تطرد إنجلترا من المكانة التي احتلتها لقرون،.
ومنذ ذلك الحين فصاعدا، صار الشعب المختار هم كل الأميركيين. ومن ساعتها كانت الكينونة الأميركية، تعني أنك تحوز مكانة دينية متمايزة بوصفك واحدا من المختارين.
والقارئ المحقق والمدقق لتاريخ الولايات المتحدة الأميركية، يعرف جيدا أنه بعد الحرب الأهلية ونيل الاستقلال، صاغ جون تاوسوليفان نظرية «المصير المبين» عام 1865، والتي تعني أن الرب قدر للشعب المختار الأميركي أن يقود العالم إلى نهاية التاريخ، وأن المستقبل سيكون عصر العظمة الأميركية بلا قيد.
وقد قاد هذا الاعتقاد بالمصير المبين إلى عدم الاكتفاء بالولايات الأميركية الثلاث عشرة الأولى، بل دعا إلى فتح بقية القارة الأميركية حتى الغرب الأقصى منها، تحت راية الرواد المكتشفين، الذين تحركوا من الساحل الشرقي لاجتياح الغرب الأوسط، ثم الغرب الأقصى، حتى انتهوا من فتح القارة بنهاية القرن التاسع عشر.
وقد كفلت نظرية المصير المبين للأميركيين الأوائل، المبرر الديني لإبادة الهنود الحمر واستعباد الزنوج، وضم فلوريدا وتكساس ونيومكسيكو وكاليفورنيا وألاسكا وهاواي ولويزيانا.
ومما لا شك فيه أن الأميركيين الأوائل لم يكونوا خالصي النية بشكل كامل في مضمار الرؤى التوراتية،.
وأن استخدامهم للصور والتصورات التوراتية، لم يكن في الواقع أكثر من استخدام خطابي بلاغي، الغرض منه ادعاء هوية توراتية للأميركيين بوصفهم الشعب المختار.
لكن تبقى الإشارة إلى أن المثال اليهودي الذي كان المتطهرون الأوائل يتطلعون إليه، هو العبراني صاحب الوعد بالأرض، وليس اليهودي الذي عاصره أولئك الأميركيون الأوائل، والذي ظهر في شكل شيلوك.
ومن على شاكلته من باعة وسماسرة. هل أميركا دولة علمانية الهوية أم يهودية الهوى؟ أغلب الظن أن الثانية هي الأرجح.