أثار الموقف الروسي تجاه ليبيا جدلا واسعا منذ البداية، خاصة مع تباين تصريحات رأسي السلطة في روسيا، الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين، ووجه الكثيرون داخل روسيا، وربما خارجها أيضا، انتقادات حادة للموقف الروسي في مجلس الأمن الدولي حيث امتنعت عن التصويت على القرار رقم 1973، مما سمح بتمريره.
ويرى البعض في روسيا، وعلى رأسهم الزعيم الليبرالي فلاديمير جيرنوفسكي، أن الموقف الروسي في مجلس الأمن كان متخاذلا ومحابيا للغرب بشكل كبير، إذ كان على روسيا أن تأخذ موقفا واضحا وتستخدم حق الفيتو ضد هذا القرار،.
بينما رأى البعض الآخر أن الامتناع عن التصويت كان هو الخيار الأفضل، نظرا للسياسة الوحشية والهمجية التي استخدمها نظام القذافي في تعامله مع التجمعات الشعبية، والتي نتج عنها سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وهجرة عشرات الآلاف خارج البلاد بمن فيهم ليبيون.
ولم يكن من اللائق ولا المقبول إزاء هذا المشهد المأساوي أن تعترض روسيا على التدخل الدولي من أجل إنقاذ الشعب الليبي.
وليس صحيحا على الإطلاق ما يراه البعض من أن عدم استخدام روسيا للفيتو، جاء محاباة أو تقربا من واشنطن والأوروبيين، خاصة وأن الأوروبيين أنفسهم ليسوا جميعا مؤيدين للتدخل العسكري، بل كان منهم من يرفضه، مثل إيطاليا وألمانيا، ووافقت إيطاليا على مضض بينما تمسكت ألمانيا بموقفها.
وحتى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، لم يكن الموقف واضحا بشكل كبير، فقد تبين مع تطور الأحداث أن قيادة حلف الناتو لم يكن لديها حماس للدخول في الأزمة الليبية.
وكانت تفضل البقاء بعيدا مكتفية بأزماتها المشتعلة في أفغانستان، وهذا ما اتضح من تصريحات سكرتير عام الحلف فوغ راسموسين المستمرة حتى الآن، حول صعوبة الموقف في ليبيا وعدم جدوى استخدام القوة.
بينما نلاحظ الموقف الأمريكي يتأرجح ما بين التهدئة والتصعيد، ووصل إلى حد الانسحاب الأمريكي من قيادة قوات الناتو هناك، مما شجع القذافي على مخاطبة الرئيس أوباما مباشرة عن طريق الرسائل.
ولم يكن هناك موقف واحد في الغرب واضح وثابت، سوى الموقف الفرنسي الذي كان مشتعلا حماسا منذ البداية، لأسباب عديدة، منها الانتقادات الحادة التي وجهت للرئيس ساركوزي إزاء الموقف المتخاذل من الأحداث في تونس، وأيضا الفضائح التي أطلقها النظام الليبي حول تمويل الحملات الانتخابية لساركوزي.
وفي ظل هذا التردد من البعض والرفض من البعض والتهدئة من بعض آخر، كانت الرؤية الروسية للموقف، وكان حماس رئيس الوزراء بوتين إلى حد وصف التدخل الأجنبي في ليبيا بالحملة الصليبية،.
وهو التصريح الذي لم يعلق عليه أحد في الغرب، بينما رفضه الرئيس ميدفيديف صراحة، وأقر بوتين رفض ميدفيديف معتبرا أن الرئيس هو صاحب القرار في السياسة الخارجية، وأن ما قاله هو يعبر عن رأيه الشخصي.
تطورت الأحداث في ليبيا بشكل غير متوقع في معظم مساراته ومشاهده، حيث مر قرابة شهر ولم يسفر تدخل القوات الأجنبية في ليبيا عن أية نتائج إيجابية، ناهيك عن أخطاء القذف الجوي المتكررة لطائرات حلف الناتو التي أودت بحياة العشرات من المعارضين لنظام القذافي.
والآن يطغى على الساحة الحديث عن المفاوضات والحلول السلمية والحوار، ويتدخل الإفريقيون للوساطة بين الطرفين،.
بينما تدعو جهات أوروبية رسمية للوساطة والتهدئة، ولا يوجد اعتراض واضح من واشنطن على جهود الوساطة الدائرة. وحدهم المعارضون الليبيون الذين لا حول لهم ولا قوة، هم الذين يرفضون الوساطة ويطالبون برحيل القذافي، وربما يكون معهم حق في ذلك، فهم لا يأمنون على حياتهم مع بقائه.
مع هذا التطور في الأحداث، نلاحظ تغييرا واضحا في الموقف الروسي، ليس من حيث الجوهر والمضمون، ولكن من حيث الشكل. ففي الوقت الذي توقف فيه رئيس الوزراء بوتين عن الحديث حول الأزمة في ليبيا، نرى الرئيس ميدفيديف يتصدى.
ولكن بلغة مختلفة عن ذي قبل وأقرب في مضمونها من لغة بوتين، وهذا ما سبق أن قلناه حول عدم وجود أية خلافات بين الاثنين، ولكن حسب الظروف تأتي المواقف. وهذا ما عبر عنه الرئيس ميدفيديف بوضوح في حديثه للتليفزيون الصيني،.
حيث قال «إن ليبيا كدولة مهددة بالزوال، وعلى جميع الأطراف هناك أن يتخذوا قرارات مسؤولة وجادة ومصيرية»، ولم يستثنِ ميدفيديف حلف الناتو من هذه الأطراف، بل اعتبره أحد الأطراف الثلاثة بجانب القذافي والمعارضة، حيث قال «هذا الوضع لا يسيطر عليه القذافي الذي ارتكب جرائم في حق شعبه،.
ولا يسيطر عليه الناتو لأنه، ولأسباب معروفة، لا يملك تفويضا بالقيام بأية عمليات عسكرية واسعة النطاق، وهذا الوضع لا يسيطر عليه الثوار أيضا لأنهم لا يملكون القوة والوسائل والإمكانيات الكافية لذلك. لقد خرج الوضع عن نطاق السيطرة وهذا شيء مؤسف جدا».
هكذا عرض ميدفيديف المأساة في ليبيا، ثم عاد في اليوم التالي ليدلي بتصريحات للصحفيين، أشبه بالاعتذار عن مواقفه المتحمسة في البداية وعدم رفضه لقرار مجلس الأمن.
حيث قال: «يجب تنفيذ القرار في حدوده، وعدم محاولة تجاوز التخويل الذي تتضمنه مثل هذه القرارات». ووصف ميدفيديف ما يحدث بأنه «ظاهرة خطيرة جدا في العلاقات الدولية».
وأضاف أنه «يلاحظ من حيث الجوهر، تجاوز الصلاحيات التي تنبع من القرار 1973».
وهكذا يبدو أن الازدواجية في الموقف الروسي، قد اختفت مع تطور الموقف على الساحة، وأن رأي بوتين، كما هي العادة، هو الأرجح.