قد لا نبالغ بالقول إن هناك قناعة شبه تامة لدى شرائح واسعة جداً في العالم العربي، بأن مؤتمرات القمم العربية، منذ مؤتمر أنشاص عام 1946، قد خذلت الشارع العربي وفاقمت من حجم إحباطاته،.
وهي من هذا المنطلق لم تعد تحظى باهتمام يذكر خارج الدوائر الإعلامية، وفي ذلك ما يفسر عدم المبالاة والعزوف عن متابعة ما يصدر عنها لدى معظم الناس. فهذه القمم لم تسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة في العالم العربي، وما أكثرها، التي تعصف بمجتمعاتنا، بل تفادت الإشارة إليها وخرجت دائماً بالسقف الأوطأ من التوصيات أو القرارات التي ترضي الحضور.
كما أن هذه المؤتمرات لم تكلف نفسها عناء البحث في عملية إصلاح النظام العربي الذي بدأ بالتآكل السريع، ومؤتمر القمة العربية المزمع عقده في بغداد في العاشر والحادي عشر من مايو ــ أيار المقبل، ليس استثناء من هذه القاعدة.
سبق أن انعقدت القمة العربية في بغداد مرتين، الأولى عام 1978 بناء على طلب العراق إثر قيام مصر بتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل، وانعقدت الثانية عام 1990 بناء على طلب العراق أيضا بغية توحيد الموقف العربي إزاء تصاعد المخاطر التي تهدد بعض الدول العربية، وكلتا هاتين القمتين تعتبران غير عاديتين.
عراق اليوم ليس عراق ما قبل التاسع من إبريل عام 2003، فقد شهدت الفترة التي أعقبت مولد النظام الجديد، نشوء تيار سياسي قوي يهدف إلى إضعاف صلات العراق بالعالم العربي من جهة.
وشهدت عزوفاً من لدن الدول العربية عن الاهتمام ببناء العلاقات مع النظام الجديد، وتوجساً من الأهداف الكامنة وراء مولده، من جهة أخرى.
إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، فالعراق الجديد قد وجد نفسه أحوج ما يكون لتعزيز صلاته مع دول الجوار، ومنها الدول العربية، لتحقيق الأمن والاستقرار في ربوعه، في الوقت الذي تعرض العديد من الدول العربية لضغوط خارجية للعمل على تطبيع علاقاتها مع العراق.
موافقة الجامعة العربية على عقد قمة 2011 العربية في بغداد، مكسب كبير للعراق، وإقرار من الدول العربية وجامعتها بشرعية النظام القائم الذي جاء مع الاحتلال الأميركي.
وقد انتظر العراق على مدى سنوات مجيء يوم استضافة القمة العربية في عاصمته، وليس من الصعب ملاحظة مقدار اللهفة لدى المسؤولين العراقيين على عقدها، وكأن انعقادها مفتاح المفاتيح ونصر لا نصر مثله.
على مستوى الداخل العراقي، يعتبر عقد القمة نجاحاً لرئيس الوزراء نوري المالكي ونصراً للخارجية العراقية، وتعزيزاً لقوة التيار الذي يسعى إلى إعادة العراق للفضاء العربي، على الرغم من المآخذ الكثيرة على طبيعة الضوابط التي تتحكم في هذا الفضاء ومعايير الدخول إلى رحابه.
هناك عدد من مؤتمرات القمة العربية اكتسب أهمية خاصة، لأن الظروف التي عقدت فيها تلك القمم كانت ظروفاً استثنائية وعلى درجة كبيرة من التعقيد، ولعل القمة التي عقدت إثر الاحتلال العراقي للكويت كانت أكثرها إثارة، بسبب الانقسام الذي أحدثته في العالم العربي.
القمة التي تنتظر بغداد عقدها الآن، تأتي هي الأخرى في ظروف استثنائية تداولتها وتتداولها أقلام الكتاب والمحللين السياسيين على محاور مختلفة،.
فهي تأتي في ظروف خاصة جدا لم يمر بمثلها العالم العربي من قبل، فهناك عدد من الأنظمة لم يعد يمثلها رئيس، بل تمثلها هيئات مؤقتة لتصريف الأعمال، وهنالك رؤساء أصبحت أوضاعهم داخل بلدانهم مبعث تشكك في مدى شرعيتهم لتمثيل بلدانهم، وهم على أية حال في وضع لا يسمح لهم بحضور القمة.
وما يجعل هذه القمة استثنائية أيضاً، هو كلفتها الباهظة. فما يثير الدهشة حقاً هو الرقم الذي أعلن عنه وزير الخارجية العراقي، والبالغ أربعمائة وستة وخمسين مليون دولار (456)! رقم أثار ضجة على المستوى السياسي، حيث عاد الحديث عن مستوى الفساد المستشري في كيان الدولة العراقية.
إلا أن ما هو أكثر مدعاة للتمعن حول مستقبل هذه القمة، هو الطلب الذي تقدمت به دول مجلس التعاون الخليجي إلى الأمانة العامة للجامعة العربية في الثالث عشر من إبريل الجاري، طالبة إلغاء عقد هذه القمة في بغداد.
ويأتي هذا الطلب على خلفية الموقف الذي صدر عن المجلس النيابي العراقي، تفاعلاً مع الأحداث التي جرت في البحرين مؤخراً.
وفي هذا السياق أيضاً، كما في سياقات أخرى، يتكشف مدى النشاز في أداء الطاقم الذي يحكم في بغداد، فالمجلس النيابي يوقف جلساته ويعطل أعماله عشرة أيام، استجابة لضغوطات كتل سياسية متنفذة لها تعاملها الخاص مع الملف البحريني.
وهو إجراء غير مسبوق أضر كثيراً بالمصالح العراقية. فهناك العشرات من القوانين التي تنتظر التشريع، والتعطيل لهذه المدة الطويلة، لا يفسر إلا برغبة أعضاء المجلس في التمتع بإجازة إضافية.
من جانب آخر، حرصت وزارة الخارجية العراقية على أن تبعد نفسها عن المماحكات في هذا الشأن، فهو موقف في منتهى الحساسية، وليس من الحكمة أن يجازف العراق بفقدان ما كسبه من تقارب مع الفضاء العربي بعد مشقة طويلة.
إلا أن تصريحات رئيس الوزراء المالكي في السادس والعشرين من مارس المنصرم، حول الأحداث في البحرين، قد أضعفت كثيراً الجهود الحكيمة التي بذلتها وزارة الخارجية لتلافي حدوث ما قد يعرقل عقد القمة المنتظرة.
في ضوء هذه الظروف الاستثنائية التي يشهدها العالم العربي، وفي ضوء التخبط الاستثنائي الذي يتسم به الأداء العراقي، لم تعد فرص عقد القمة في بغداد كبيرة.
والحقيقة أن العراق يكسب أكثر إذا بادر من طرفه طالباً تأجيل عقدها ثانية، بدل أن تؤجل أو تلغى من قبل الجامعة العربية، كما هو متوقع. فهي في حالة انعقادها ستكون مضرب المثل في البؤس والفشل، على الرغم من جميع الاستعدادات التي تمت لهذا الغرض.
السؤال الذي يقلق المسؤولين العراقيين على مدى الأيام القادمة: هل ستعقد القمة في بغداد؟