انتشر في الآونة الأخيرة، عبر وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث العربية والأجنبية، تداول مقاربتين سياسيتين ترتبطان بالوضع العام في الشرق الأوسط، وأولى هاتين المقاربتين، هي أن الثورتين التونسية والمصرية لم تكونا متوقعتين، بل جاءتا مفاجئتين للجميع، والمقاربة الثانية هي حتمية التغيير السياسي القادم في جميع الدول العربية. وتسعى هذه المقالة إلى اختبار مدى جدية وصحة هاتين المقاربتين.

الكثيرون من المحللين والمتابعين للشؤون الدولية، اعتبروا ثورتي تونس ومصر مفاجأة من العيار الثقيل على الساحة العربية، باعتبار عدم توفر معطيات على التغيير السياسي في هذين البلدين قبل اندلاع الثورتين، اعتماداً على التسليم بحقيقة عجز الشعوب العربية عن مجاراة أنظمة سياسية تمسك بقبضة قوية على مقدرات هذين البلدين. ولكن نظرة تحليلية معمقة للواقع التونسي والمصري معاً قبل اندلاع الثورتين، ستظهر بوضوح أن هاتين الثورتين جاءتا كنتيجة منطقية لتغيير جذري استوعب كافة متطلباته عبر سنوات متراكمة، تغيير يطيح بالواقع المأساوي الذي كان يمر به المجتمعان التونسي والمصري، حيث تحالف رأس المال مع السياسة، وتفشي الفساد الإداري والمالي وانتشار البطالة والتضخم، وسوء التخطيط التنموي القومي، الذي فاقم من المشكلات الداخلية ونتجت عنه مشكلات جديدة، عجزت عن مواجهتها حكومات فاقدة لأي رؤية استراتيجية للتنمية الوطنية، ولا تخضع لأي برامج للمساءلة والشفافية، بسبب تشريعات قانونية قديمة لا تواكب العصر، وسلطات تشريعية شبه مشلولة.

فكلا البلدين، تونس ومصر، كانا يعانيان من وجود تناقضات طبقية واضحة جدا، فهناك طبقات ليست صغيرة تعيش تحت خط الفقر، وطبقات واسعة جداً يمكن تسميتها بالطبقات «فوق الفقيرة»، ثم الطبقة المتوسطة فالطبقة الغنية، وأخيراً الطبقة الأعلى المكونة من كبار رجال الأعمال والمسؤولين في الدولة.

هذا التناقض الطبقي وتفاعلاته وما رافقه من تمييز طبقي من قبل النظامين التونسي والمصري، هو الذي يطيح بقيم المجتمع ووحدته القومية، وهو الذي يعطي الفرصة للآخرين للتدخل في شؤون الدول الداخلية، وهو الذي يهيئ البيئة الخصبة لأن تنشأ جماعات ناشطة في مجال حقوق الإنسان والحريات المدنية، خصوصاً والعالم يشهد ثورة الاتصالات عبر مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك والتويتر واليوتيوب)، التي يمكن اعتبارها مهد الثورات الافتراضية الممهدة للثورات الحقيقية.

أما المقاربة الثانية التي باتت تتناقلها وسائل الإعلام الدولية والإقليمية مؤخراً، وخصوصاً بعد انتشار الاحتجاجات في اليمن وليبيا وسوريا وغيرها من الدول العربية، فمفادها أن عملية التغيير السياسي ستطال جميع الأنظمة العربية. ولم نفهم على أي أسس استند هذا التعميم؟ ولماذا الأنظمة العربية فقط دون دول محيطة بالدول العربية، مثل تركيا أو إيران أو حتى إسرائيل؟ لماذا حُصر التغيير السياسي في رقعة جغرافية محددة؟ وما هي المعطيات المتوافرة على ذلك الاستنتاج الخيالي؟ ألا يعلم أصحاب هذه المقاربة بأن لكل دولة ظروفها الخاصة التي تختلف بها عن الدول الأخرى؟ وأن هناك دولاً عربية قطعت شوطاً طويلاً في مسيرة التنمية الوطنية، وحكوماتها تمتلك رؤية استراتيجية تواكب التطور لتحقيق مكانة دولية مرموقة لها ضمن البنية الهيكلية للنظام الدولي في ظل أوضاع عالمية مضطربة؟

فالإمارات مثلاً، تعتبر من أكثر الدول أمناً في منطقة ساخنة جدا بالأحداث والاضطرابات والحروب، وهي منطقة الخليج العربي. ودليل على ذلك أن هناك أكثر من ‬180 جنسية تعمل وتصطاف في دولة الإمارات، والاستثمارات الأجنبية تضم كبريات شركات العالم التي تتقاطر على دبي وأبوظبي من أجل تنمية استثماراتها فيها.

يضاف إلى ذلك أن معدل الدخل السنوي للمواطن الإماراتي البالغ ‬40,600 دولار للعام ‬2010، يفوق معدل الدخل السنوي للمواطن الألماني والكندي والبريطاني والياباني والفرنسي، وبات جواز السفر الإماراتي يعامل باحترام لا يقل شأناً عن جوازات السفر الأوروبية والأميركية، في مختلف المطارات العالمية. وهذا لا يأتي من فراغ بطبيعة الحال، بل يأتي من إدراك عالمي لأهمية الدور الاستراتيجي الذي باتت تلعبه دولة الإمارات إقليمياً ودولياً، والتي أصبحت محل اهتمام العالم. وستصبح الإمارات القلب النابض للشرق الأوسط في شتى مجالات التنمية، بعد إنتاجها للطاقة النووية عام ‬2017، ليدفع هذا الحدث الإمارات إلى مصاف الدول التي تشارك الدول الكبرى في اتخاذ القرارات ذات الصبغة العالمية.

ولا ننسى أن البنية التحتية لدولة الإمارات باتت في سباق مع الزمن، من أجل التطور والتغيير في مضمار التنمية العالمية، فالعالم الرقمي ممثلاً بالحكومات الرقمية، ونظام معلوماتي ومالي الكتروني مؤمن وسريع الخدمة، باتت مواضيع لا نتحدث عنها إلا في دولة الإمارات حصراً.

وما يمكن أن نضيفه هنا، هو أن ما وصلت إليه الإمارات لم يأتِ من تخبط استراتيجي كما هو الحال في اغلب الدول العربية، بل جاء اعتمادا على خطط استراتيجية استنبطتها قيادة شابة من الرؤية الاستراتيجية للقائد المؤسس لهذه الدولة، واعتمدت على مواطنيها كقيمة عليا، ومنحت حقوقاً للمرأة إيماناً منها بأن المرأة طاقة خلاقة، لا تقل عن طاقة الرجل إذا ما توفرت لها الفرصة والظروف المناسبة، وهذا ما دفع الإمارات إلى إعطاء المرأة الإماراتية الفرصة القيادية في مناصب إدارية مهمة، إيماناً منها بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة. والسؤال الأخير الذي أود طرحه في هذه العجالة؛ ماذا يريد أي شعب في العالم من حكومته غير التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية؟ فكيف بحكومة الإمارات وهي تسابق الزمن من أجل مواطنيها، حيث يقول نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: «رغم كل الذي حققناه، لكننا لم نصل بعد إلى مستوى طموحاتنا».

وأخيرا نقول لأصحاب مقاربة التغيير السياسي الحتمي والشامل في العالم العربي، يجب أن تنتبهوا إلى خصوصيات الدول وظروفها، فأنتم لم تقدموا مبررات موضوعية ومنطقية لتعميم استنتاجاتكم التي يبدو أنكم بنيتموها على تأثركم بتجارب مختلفة شكلاً ومضموناً، أو بوسائل إعلام مغرضة أو تيارات فكرية وثقافية مختلفة؛ لأن تمسككم بهذا التعميم وأنتم تملكون المؤهلات العلمية والخبرات المهنية، يدفع إلى تطبيق مبدأ أخلاقي عليكم يقول: «إن لم تستحِ فاصنع ما شئت».