شكل انتخاب المطران بشارة الراعي بطركاً جديداً للطائفة المارونية، حدثاً في لبنان بكل ما للكلمة من معنى. ولهذا الاهتمام الفائق أساسه،.

وهو أن الطائفة المارونية تصدرت قيادة لبنان منذ ولادته حديثاً، بل يعود الفضل إلى الموارنة في قيام لبنان ككيان سياسي ووطني له سيادته واستقلاليته.

والموارنة كجماعة ثقافية وهوية مجتمعية، صعدوا على المسرح، منذ عقود، بحيويتهم وخبراتهم وقدراتهم، مستفيدين من العلاقات التي نسجوها مع الفاتيكان والدول الأوروبية.

ولهذا كانوا أول مَن تأثر بالحداثة واستفاد من مكتسباتها المعرفية والتقنية. والشاهد هو المطبعة التي أقيمت في جبل لبنان، قبل حملة نابليون على مصر التي عدت بداية دخول العالم العربي في الأزمنة الحديثة.

بالطبع، كان للكنيسة دور كبير في أن تحتل الطائفة المارونية هذا الموقع القيادي، أو أن تلعب هذا الدور الريادي. من هنا أطلق على رأسها، أي على البطرك، الشعار القائل: أعطي له مجد لبنان.

وقد اعترض، ذات مرة، أحد رجال الدين المسلمين على أن يحظى بطرك الموارنة بمثل هذا الامتياز، في معرض نقده للبطرك السابق نصرالله صفير على مواقفه في غير مسألة.

ومع أن مجد لبنان، والأحرى القول ازدهاره، هو صنيعة كل أبنائه، على اختلاف طوائفهم ومهنهم وفئاتهم، فإني كنت معترضاً على اعتراض الشيخ على البطرك، لأن هذا الأخير قد سعى جاهداً من أجل أن يبقى لبنان بلداً حراً مستقلاً، في حين أن الشيخ كان يقول:

ماذا يمثل لبنان هذا البلد الصغير؟ هل يقف حجر عثرة في وجه المشروع الإسلامي الكبير؟

لا شك أن الموارنة، والمسيحيين عامةً، قد تراجعوا اليوم.

والدليل أن رئيس الجمهورية أصبح الأضعف بالنسبة إلى رئيس البرلمان الشيعي ورئيس الحكومة السني.

بذلك انقلبت الآية: في الماضي كان المسلمون سنةً وشيعة ينقسمون، وفقاً لانقسام الموارنة، فريق مع هذا الزعيم وفريق آخر مع خصمه السياسي. أما اليوم، فإن زعماء الموارنة منقسمون بين السنّة والشيعة، بين تيار المستقبل وحزب الله.

مع فارق أساسي، هو أن القسمة في الحالة الأولى كانت سياسية في طابعها الغالب. أما اليوم فإن القسمة يغلب عليها الطابع الطائفي والمذهبي.

وهذا يشهد على تراجع لبنان إلى الوراء. انتقل من ذلك إلى كلمة البطرك الجديد بشارة الراعي، التي ألقاها أثناء حفل تنصيبه.

وهي تنمّ عن رؤيته للامور، وعن سياسته في إدارة كنيسته، أو منهجه في التعامل مع بقية الطوائف والمجموعات.

بالطبع هناك فارق بينه وبين سلفه، فالبطرك الجديد يولي أهمية لعلاقة لبنان بالعالم العربي، بل هو عندما يتحدث عن البلدان العربية يقول «بلداننا»، تأكيداً على روابط الانتماء.

هذا على خلاف البطرك صفير الذي كان يستخدم عبارة «الجوار»، بدلاً من عبارة البلدان العربية أو العالم العربي. هذا مع أنه ضليع بالعربية. ولما انتخب بطركاً عام ‬1986، توجه إلى مجلس المطارنة بالقول: «انتخبتموني ولست بأوجهكم».

ومن الواضح أن هذه العبارة تذكر بقول الخليفة الراشدي أبي بكر الصديق: «وُلِّيتُ عليكم ولست بأفضلكم». مع فارق أن البطرك قام بتحديث العبارة، فتحدث عن انتخاب لا عن ولاية.

وأنا لا أفسر هذا الاستبعاد للصفة العربية بوصفه «انعزالاً« عن المحيط العربي، كما فسّره العروبيون، لعلّه خوف المسيحيين اللبنانيين، الذين ساهموا في النهضة العربية الحديثة بصورةٍ غنيّةٍ وفعّالة، من تحوّل الفكرة العربية إلى مشروع أيديولوجي سياسي يبتلع لبنان.

وهذا ما يخشى منه الكثيرون من المسلمين اللبنانيين أيضاً، كما يخشون من تحول الإسلام نفسه إلى مشروع أيديولوجي ونظام سياسي.

وهكذا يختلف البطرك الجديد عن سلفه، من حيث انفتاحه على العالم العربي. بالطبع هناك ثوابت للكنيسة المارونية، ولكن العلاقة مع الثوابت هي المتغيرة.

أولاً؛ لتغير المعطيات في العالم، وبالأخص في العالم العربي، سيما الآن بعد اندلاع الانتفاضات في غير بلد.

ثانياً؛ لأن العلاقات بين لبنان ومحيطه أصبحت على قدر كبير من التداخل والتشابك، أكثر بكثير من ذي قبل.

وتلك هي «وحدة المصير»، التي تتأكد، يوماً بعد يوم، وأزمة بعد أزمة، سواء على المستوى المحلي أو العربي أو العالمي.

من هنا كان شعار البطرك الراعي «شركة ومحبة». ومن هنا استخدامه مفهوم «الاعتراف المتبادل»، محل مفهوم التسامح الذي يرد عادة في الحوارات بين رجال الدين.

ذلك أن التسامح هو مجرّد تساهل إزاء الآخر يلغّم الحوار معه، بقدر ما ينتقص من كينونته، في حين أن الاعتراف بالآخر يفتح أبواب الحوار الخصب، لنسج علاقات مع مَن نختلف معه، قوامها التبادل المثمر والتفاعل الخلاق.

في أيّ حال، إن مَن يقرأ كلمة البطرك بشارة الراعي، يجد أنها تصدر عن فكر حي وراهن، بقدر ما تشهد على أن صاحبها يندرج في زمنه ويعيش واقعه، سواء من حيث قراءة المجريات والمتغيرات أو من حيث الانفتاح على العالم والآخر،.

وبالأخص على المختلف في الداخل اللبناني، الذي هو شريكنا على المستوى الوطني، بقدر ما هو شطرنا الآخر على المستوى الوجودي.

من هنا تأكيد البطرك على كسر المنطق الأحادي بقوله:

«لبنان لن يحتكره أحد، لأن في احتكار فئة له احتقار لنا جميعاً». وحسناً فعل في هذه العبارة التي تشكل فحوى كلمته ومفتاح فكره، فلبنان لا يملكه أحد.

كما يفعل أهل الوصاية من الذين يحتكرون تمثيل هويته أو النطق باسمه تحت هذا الشعار أو ذاك.

ولذا فالأجدى هو العمل بمنطق وسطي تعددي تداولي، إذ لا شيء يلغّم المشاريع والأعمال أكثر من أحادية التفكير ودكتاتورية الحقيقة، سواء في ما يخص احتكار الإيمان الذي يمارسه أصحاب العقائد الاصطفائية، والذي يشكّل انتقاصاً من شأن الآخر واعتداءً عليه بصورة رمزية.

أو في ما يخص احتكار الفكر والعقل والوعي، الذي هو احتقار للناس، على ما يمارسه أصحاب العقليات النخبوية والنرجسية من الدعاة والمثقفين.

وما يؤمل من البطرك الراعي، هو أن يمارس مهامه بفتح آفاق جديدة للعمل الديني، تنكسر معها الحواجز والخنادق التي ينصبها بعض رجال الدين بين الناس، بحيث يتحول النشاط الديني إلى طاقة حيّة خلاّقة، تساهم مع بقية المشروعيات في البناء المجتمعي والإنماء الحضاري.

فقد ولّى الزمن الذي يقتصر فيه رجل الدين في عمله وتدخّله على الجانب التعبّدي، بل هناك رجال دين أسسوا دولاً أو يسعون إلى تأسيسها. فليكن.

ولكن من يفعل ذلك يفقد حصانته الرمزية القدسية، ويصبح كسواه من الناس، عرضة للمناقشة النقدية، العلنية والمفتوحة، في الفضاء العمومي.