في زيارة إلى إحدى دول أوروبا قبل أيام قليلة، اسبانيا بالتحديد، كان أكثر ما بهرنا في هذا البلد كسائر دول أوروبا الغربية هو الاهتمام الفائق بشبكة القطارات، واكتشفنا أن اسبانيا تغطي سائر مدنها الصغيرة والكبيرة بشبكة راقية جدا من السكك الحديدية المتطورة إلى أبعد الحدود. فبمجرد ما أن تحط قدميك في مطار مدريد باراجاس حتى تجد كل أنواع وسائل النقل العامة بين يديك.
إن أسبانيا تمتلك شبكة من القطارات السريعة تغطي ما يقرب من 1300 كيلومتر وبسرعات مختلفة تصل بعضها إلى 350 كيلومترا في الساعة. أي أنها تملك واحدا من أسرع قطارات العالم سرعة، بالتأكيد أن هذه الشبكة كلفت هذه الدولة الأوروبية المتوسطة الأهمية مقارنة بألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أرقاماً باهظة.
وبالتأكيد أن هذه الدولة وضعت حساباتها ودراساتها قبل سنين عديدة لتصل ما وصلت إليه اليوم في تقديم مثل هذه الخدمات الحيوية بالنسبة للمواطنين والسائحين على حد سواء، وهذا ما تفعله في الوقت الحاضر، فهي تخطط حاليا لتوسيع شبكة سككها الحديدية بحيث تغطي ما يقارب الـ 7000 كيلومتر خلال 12 سنة فقط.
وهذا رقم خيالي تقوم به دولة واحدة بإمكانيات متوسطة إذا ما وضعنا في الاعتبار الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعاني منها أسبانيا بالتحديد أشد المعاناة، غير أن المعاناة أمر والتخطيط المستقبلي أمر آخر. لذا لا تشعر في أسبانيا بأنك في دولة تقع تحت طائلة الديون الخارجية، منذ أن قام مجلس التعاون الخليجي منتصف عام 1981 ؟ أي قبل 30 عاما وشعوب المنطقة تتساءل متى سيتم ربط عواصمها بشبكة من القطارات المتطورة.
والحقيقة أن الأمل كان يحدو شعوب المنطقة قبل ذلك، وكان الجميع يأسف بألا تكون مثل هذه الشبكات تربط عواصم جميع الدول العربية، شرقا وغربا، كما يحصل في جميع أنحاء العالم، وظل الاعتماد وما زال قائما على استخدام المركبات الخاصة والحافلات غير المتطورة. وظل المواطن العربي يعاني من السفر فيما لو قرر عدم استخدام الطائرة، ناهيك عن عدم توفر وسائل الخدمات الهامة على مسافات الطريق وما يتعرض له من تأخير في التفتيش على نقاط الحدود بين دول كان من المفترض أن تفتح أبوابها (كرماً) للأخ والجار العربي القادم من أقصى البلاد العربية.
ولطالما استمعنا لقصص يحكيها المسافرون برا حين تتعطل بهم مركباتهم في وسط الطرق الخارجية دون معين، ودون وجود خدمات تسهل استكمال الطريق، وككل من سافر برا في الدول الغربية، نجد أن تلك الدول وفرت كل ما يلزم المسافر من الخرائط المفصلة إلى الاستراحات والمطاعم وغيرها بحيث لا يشعر المسافر بما نشعر به نحن فيما لو فكرنا السفر برا بين الإمارات وسوريا على سبيل المثال.
قد تكون القطارات واحدة من الوسائل الأكثر أماناً وراحة في السفر، كما تعتبر واحداً من أهم مصادر الدخل في العالم، وكان الواجب من دول مجلس التعاون التفكير في تنفيذها منذ زمن طويل، وليس بعد مرور 30 عاما!!
المهم أن (الخطوة الأولى من الألف ميل) اتخذت شفويا.
واستبشرنا خيراً حتى ولو كان الأمر على مستوى التفكير. ففي الأسبوع الماضي تناقلت بعض الصحف خبراً مفاده أن «دول الخليج (تخطط) لإنشاء قطار مشترك تقدر تكلفته بما يقرب 15,5 مليار دولار إضافة إلى استثمار 100 مليار دولار أخرى في مد خطوط سكك حديدية بطول يتجاوز 1300 كيلومتر» إلا أن أكثر ما أثار الدهشة في الخبر هو أن دول مجلس التعاون الخليجي النفطية ما زالت تفكر بطريقة الاقتصاد في التكلفة في مشاريع تعتبر في غاية الحيوية.
فقد خفضت سرعة القطار الذي كان يفترض أن يجاري التطور العالمي في هذا المجال من 350 كم في الساعة إلى 200 كم في الساعة (بنسبة أكثر من 60٪ من السرعة السابقة!!
لماذا؟ ربما لتوفير مبلغ 10 مليارات دولار حسب ما أوردته الصحف. والغريب في الأمر أن هذا المشروع لن يكون مطروحا بالمجان لمواطني مجلس التعاون والمقيمين، وإنما يعتبر استثماراً سيدر عليهم أرباحا طائلة. فبينما نجد دول شرق آسيا واليابان وأوروبا تتنافس على زيادة سرعة القطارات لديها، نجدنا نحاول أن نكون دائما في المؤخرة.
وللعلم فإن فرنسا كانت رائدة في هذا المجال، وإنها منذ الثمانينات كان تسير قطاراتها بسرعة 300 كم/ في الساعة، وجاءت بعدها اليابان وألمانيا. غير أن الصين أصبحت اليوم في المقدمة بعد أن وصلت سرعة قطارها إلى 395 كم/ الساعة.
واليوم توصلت شركة ألستوم الفرنسية إلى تطوير قطار يسير بسرعة 575 كيلومترا في الساعة (أي بنصف سرعة الصوت)، إلا أنه لم يسوق بعد. وهذا يعني أنه عندما ستنتهي دول مجلس التعاون الخليجي من (التخطيط) .
ومن ثم إجراءات الحصول على (موافقة) الدول الأعضاء في المجلس، ومن ثم البدء في المشروع والانتظار حتى الانتهاء منه وبعده الاختبار والتشغيل في النهاية، ستكون سرعة قطارات العالم بلغت سرعة الطائرة النفاثة، ونحن على سرعة سيارة عادية !
العالم يسير بسرعة الصوت، ونحن اليوم نملك الإمكانيات لتقديم ما هو أفضل لمواطني هذه الدول بعد الانتظار الطويل والممل، وليس تقليص واحدة من أهم مميزات القطارات التي تربط الدول: السرعة في التطور بغرض توفير مبلغ من المال أياً كان مرتفعاً.
لقد استمتعت مع زميلي بشرب فنجان من القهوة والاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية الأسبانية، الذي يوفره للمسافرين بالمجان القطار السريع الذي يربط بين العاصمة مدريد ومدينة غرناطة العربية التاريخ بسرعة 300 كم/الساعة، وكأننا نجلس في بيوتنا، وكنا نحلم بقطار سريع مماثل يربط العاصمة أبوظبي بالعاصمة المغربية الرباط.