نقلت وسائل الإعلام في الثامن من إبريل الجاري، وبالتزامن مع زيارة وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس للعراق، استعداد الولايات المتحدة لبحث تمديد وجود قواتها في العراق، في حالة طلبه ذلك.
ونقلت كذلك عن الناطق باسم الحكومة العراقية ما نصه: «إن رئيس الوزراء نوري المالكي أبلغ وزير الدفاع الأميركي، بأن الحكومة العراقية لا تريد أن ترى أي وجود أميركي أو أجنبي على الأراضي العراقية».
وتأتي زيارة الوزير الأميركي في سياق تصعيد الضغوطات التي بدأت تمارسها الإدارة الأميركية على كبار المسؤولين العراقيين،.
لتقبل بمبدأ بقاء قواتها في العراق لفترة مقبلة تتجاوز الأطر الزمنية التي حددتها الاتفاقية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة عام 2008، علما بأن موعد انسحاب هذه القوات وفق الاتفاقية، سيكون في الحادي والثلاثين من ديسمبر المقبل.
فوفق ما تسرب من أنباء تتعلق بهذا الشأن، ترغب الولايات المتحدة في إبقاء جزء من قواتها البالغ عددها سبعة وأربعين ألف جندي، في عشر قواعد عسكرية كبيرة منتشرة في أرجاء العراق.
ومن المتوقع أن لا تواجه الإدارة الأميركية صعوبات كبيرة لتحقيق رغبتها، فالموعد النهائي لانسحاب قواتها وفق الاتفاقية،.
كان ولايزال موضع جدال في الأوساط السياسية. فبعيداً عن التصريحات الطنانة لغرض التسويق الإعلامي، هناك في الدوائر السياسية، العراقية والأميركية، من يرى أن تمديد بقاء جزء من هذه القوات، أمر لا مفر منه في الوقت الحاضر، لأسباب تتعلق بمصالح الطرفين.
الولايات المتحدة لها حساباتها، فهي ترغب في تمديد فترة بقائها في العراق، وهذا أمر متوقع؛ فهي لم تأت لترحل بعد حين، خاصة في ظل الأوضاع الملتهبة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط،.
والتي قد تكون مقدمة لأحداث أخرى لاحقة، لا ترغب واشنطن أن تشهدها عن بعد.
أما المالكي فلديه هو الآخر حساباته الخاصة على المستويين المحلي والإقليمي، فعلى المستوى الداخلي هناك تخوف من انفضاض التحالف الهش الذي دفعه لرئاسة الوزارة، فالشرط الذي وضعه التيار الصدري لدعمه، هو التعهد بعدم الموافقة على تمديد فترة بقاء القوات الأميركية.
أما على المستوى الإقليمي فهناك الضغوط التي يتعرض لها من بعض دول الجوار، التي لا تشعر بالأمن لوجود القوات الأميركية على حدودها.
والحقيقة أن المالكي لا يمتلك سلطة اتخاذ قرار بتمديد عمل القوات الأميركية في العراق، وجل ما يستطيع عمله لدفع هذه الأزمة عنه وإعفاء نفسه من تبعاتها، هو ترحيلها إلى مجلس النواب للتصويت حول قبول إجراء تعديل في الاتفاقية المذكورة، يسمح ببقاء القوات الأميركية لفترة أخرى في العراق.
وهناك فرصة كبيرة لتمرير ذلك في المجلس، بالرغم من الضجة التي سيحدثها التيار الصدري، كما عمل عام 2008 في الجلسة الخاصة بإقرار الاتفاقية.
وتأتي هذه الأحداث، لتثير من جديد التساؤلات حول مدى جاهزية القوات العراقية لملء الفراغ الذي تخلفه القوات الأميركية إثر انسحابها، سواء في حفظ الأمن داخلياً أو التصدي لأية محاولة للنيل من أراضي العراق أو مياهه أو أجوائه.
فعلى مستوى الأمن الداخلي لم تقم القوات الأميركية بمهام منفردة منذ مارس 2009، أما العمليات الأمنية التي قامت بها بعد هذا التاريخ.
فقد جرت بالتنسيق مع القوات العراقية. ولكن ذلك لا يمكن أن يؤخذ كمؤشر على جدارة القوى الأمنية العراقية للقيام بمهامها على الوجه الأكمل، لاسيما وأن أحداثا كبيرة جعلت قدراتها عرضة لتساؤلات جدية.
كما حصل إثر العملية الإرهابية التي حصلت مؤخراً في مدينة تكريت. أما على مستوى الأمن القومي، فليست بعيدة عنا تصريحات رئيس أركان الجيش العراقي بابكر زيباري، التي أشار فيها إلى أن جاهزية الجيش قد لا تتحقق قبل عام 2020، فالعراق لا يمتلك قوة جوية في الوقت الحاضر، وإنما بضع طائرات استطلاع.
والحقيقة أن موضوع التمديد للوجود العسكري الأميركي في العراق، ينبغي أن ينظر إليه من أكثر من زاوية. فبالإضافة إلى الاعتبارات المتعلقة بنقص قدرات الجيش العراقي، هناك ناحية داخلية ذات أهمية قصوى.
وهي مدى تأثير الانسحاب على استقرار البلد، لاسيما وأن قضايا خطيرة بين الفرقاء في العملية السياسية، لاتزال تطل برأسها وتهدد بالاشتعال بين الحين والآخر.
ولعل أكثر ما يثير القلق حول استقرار الوضع في العراق، هو الفراغ الناجم عن عدم توافر أطر واضحة، دستورية وسياسية، يتفق عليها الفرقاء المعنيون لمقاربة القضايا الخلافية.
فهناك دعوات لتعديل بعض بنود الدستور وأخرى مضادة لذلك، وهنالك قراءات مختلفة لبعض بنوده تهدد باندلاع صراع حول الأراضي المتنازع عليها.
من جانب آخر، تثير التوجسات والشكوك المتبادلة حول حقيقة النوايا والأهداف بين القوى المشاركة في العملية السياسية، والمزيد من القلق حول مستقبل الاستقرار في العراق. فالتوازنات القائمة هشة وقلقة.
وقد لا تصمد طويلاً؛ لأنها تشكلت لتلبية مصالح آنية، ولم تنبثق عن تقارب في الرؤى والاستراتيجيات.
لقد تحول الدور الأميركي في العراق مؤخراً إلى ناحية أخرى غير قتالية لم تؤخذ في الحسبان، فالقوات الأميركية تعمل بمثابة قوة لحفظ السلام في مدينة كركوك، وقد تضطر للقيام بذلك في أماكن أخرى من العراق.
فهي تعمل على منع نشوب احتكاك قد يتطور ويتوسع، بين قوات البيشمركة الكردية وبين قوات الجيش العراقي، خاصة بعد أن نشرت الإدارة الكردية قواتها جنوب وغرب كركوك التي تصر على إلحاقها بإقليم كردستان.
ويلقى ذلك معارضة قوية من عرب وتركمان المدينة.
فهل سيطلق الموقف من تعديل الاتفاقية الأميركية العراقية، شرارة أزمة سياسية كبيرة أول من يعاني من تداعياتها رئيس الوزراء نفسه؟ فالتيار الصدري يعتبر تجديد الاتفاقية خطاً أحمر،.
وقد بدأ في الآونة الأخيرة يصعد من حدة نبرته، مهدداً بتفعيل جيش المهدي الذي نجحت الحكومة بصعوبة بالغة في تحجيم دوره في السنوات الماضية.