موقف روسيا من الأحداث في ليبيا لا يثير أي جدل أو يشوبه غموض، بل على العكس نرى أن مواقف الغربيين أصبحت أكثر جدلا وغموضا، بل وتضاربا وخلافات في ما بينهم.

 

فقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أن المهمة الرئيسية التي يجب أن تطرح الآن لتسوية الوضع في ليبيا، هي وقف إطلاق النار وبدء المفاوضات بين الأطراف المتنازعة.

 

وأعرب عن دعم موسكو لمبادرة الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية في هذا الشأن، مشيرا إلى أنه حان الوقت لإجراء إصلاحات.

 

وعلى الأطراف الليبية التوصل لاتفاق حول ملامح وسمات دولتهم، دون تدخل أطراف خارجية.

 

وعبر لافروف عن رفض روسيا التام لأن تقوم قوات التحالف بتزويد المعارضة بالأسلحة، ملمحا لشكوك كثيرة لدى موسكو حول هذه المسألة وكيفية تنفيذها.

 

. ومؤكدا أن الهدف الأساسي المشترك يتمثل في القيام بما يلزم لتجنب وقوع ضحايا بين المدنيين.

 

كما حذر مندوب روسيا الدائم لدى حلف الناتو، دميتري روغوزين، من تصاعد النزاع وإشراك لاعبين خارجيين فيه عن طريق اللجوء إلى عملية برية ضد قوات القذافي، باعتبار أن هذا يمكن أن يؤدي إلى أزمة إقليمية.

 

وأن يمس الأمن والاستقرار في منطقة شمال إفريقيا بأكملها، مشيرا إلى تجربتي العراق وأفغانستان، ودعا حلف الناتو لالتزام الحياد في النزاع الدائر في ليبيا.

 

وما زال الاتحاد الأوروبي يصر على تنحي القذافي، وانتقال ليبيا إلى نظم حكم ديمقراطي. ويبدو أن القذافي بدأ يتحرك للتفاهم مع الغرب، في محاولة يرى البعض أنها ليست للحفاظ على نظامه بقدر ما تستهدف الحفاظ على حياته.

 

في ما يراها البعض الآخر دهاء ومكرا من القذافي، الذي يسعى للعب على أوتار الخلافات بين الغربيين وداخل حلف الناتو، مما يكسبه المزيد من الوقت لتصفية معارضيه داخل ليبيا، خاصة .

 

وأنه من الملاحظ منذ تدخل التحالف الدولي في ليبيا عسكريا، أن ضربات القذافي لمعارضيه زادت قوة وشراسة، وأدت إلى استغاثة معارضيه بالعالم لمساعدتهم، وتوجيه انتقادات حادة للغرب وحلف الناتو لتقاعسهم أو إبطائهم في مساعدتهم.

 

وقد عكس الملف الليبي خلافا في الأوساط الروسية، تمثل في تصريحات رئيس الحكومة فلاديمير بوتين التي هاجم فيها العمليات العسكرية الغربية وشبهها بالحملات الصليبية.

 

فيما انتقد الرئيس ديمتري ميدفيدف هذه التصريحات، معتبرا أن استخدام المصطلحات التي تثير صدام الحضارات أمر مرفوض،.

 

وأكد ميدفيدف أن روسيا كانت تدرك تماما مسار التطورات الجارية، ما دفعها لمساندة قرار مجلس الأمن رقم ‬1970، الذي فرض عقوبات قاسية على القذافي وأفراد عائلته ومقربين من نظامه، وحظراً على بيع الأسلحة والذخائر إلى ليبيا،.

 

بينما امتنعت روسيا عن التصويت على القرار ‬1973، الذي يتضمن تفويضا بإقامة منطقة حظر جوي على ليبيا واستخدام كافة السبل لحماية المدنيين.

 

والتي ترجمتها قوات التحالف بقصف مدرعات وقوات القذافي التي كانت تتحرك نحو بنغازي.

 

روسيا كانت وما زالت تعتبر الوضع في ليبيا غامضا، بين معارضة قيادتها من أركان نظام القذافي، وبين هذا النظام الذي تخوض المعارضة معركة ضده لبناء دولة مدنية ديمقراطية.

 

وأثارت موسكو تساؤلات حول عدم اتخاذ هؤلاء القادة خطوات في هذا الاتجاه خلال فترة توليهم مناصب قيادية في الحكومة الليبية؟

 

وترى موسكو أن التفاوض حول مصير نظام القذافي يجري اليوم بين ممثلين للقذافي نفسه والغرب، بينما ممثلو مجلس الثورة الانتقالي الذين يمثلون المعارضة الليبية لا وجود لهم في هذه المفاوضات.

 

فهل يعني ذلك أن الغرب والاتحاد الأوروبي هو من يقرر مصير النظام الليبي؟ أم أنه مفوض من مجلس الثورة الانتقالي؟

 

يجب أن نعترف بأن دخول قوات التحالف في مشهد الصراع بين ثورة شعبية ونظام دكتاتوري، أجرى تعديلات بتحويل هذا الدكتاتور إلى بطل يواجه قوات أجنبية غازية تريد الهيمنة على مصير الشعب الليبي.

 

وإذا كان الأمر يصلح مجرد ذريعة واهية يمكن أن يستثمرها القذافي لاستقطاب قطاعات من البسطاء ليس فقط من أبناء شعبه، بل ومن أبناء الشعوب العربية والإسلامية الأخرى.

 

فإن تطور الوضع يبدو أنه يحول هذه الذريعة إلى واقع يتجسد في شروط لإيقاف العمليات العسكرية لقوات التحالف، والدخول في مساومات ومصالحات يدفع ثمنها أبناء الشعب الليبي، فيما بعد، من انتقام النظام.

 

ليس صحيحا ما يدعيه البعض من أن روسيا تسعى وراء مصالحها في ليبيا، من نفط وغاز وصفقات أسلحة.

 

ولو عرفنا الحقيقة سنجد أن خسائر روسيا المفترضة برحيل نظام القذافي، لا تتجاوز مليارين من الدولارات على مدى ثلاث سنوات، وهو مبلغ زهيد يعوضه بسهولة في شهر واحد ارتفاع أسعار النفط من اشتعال الأزمة في ليبيا.

 

ولكن ما يزعج روسيا بالفعل، هو مستقبل الأمن والسلام العالمي المهدد بمغامرات عسكرية طائشة، يدفعها جشع وطمع بعض الجهات المحدودة لتحقيق مكاسب ومصالح خاصة على حساب مصالح الشعوب.

 

وروسيا على يقين من أنه إذا استمر تفاقم الأوضاع في ليبيا، فستمتد لتشمل الشمال الإفريقي كله،.

 

وستزيد من الاضطرابات والقلاقل، وفي نفس الوقت ستزيد من حجم وتداعيات الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية.