من سمات الانتفاضات الثورية العربية الراهنة، أنها أطلت في لحظة خفوت الدعوة الغربية، الأميركية بالذات، إلى قيام الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، على أسس من الديمقراطية.
كانت هذه الدعوة قد بلغت ذروتها في أروقة الغرب، إبان الولاية الأولى للرئيس الأميركي بوش الابن، ثم راحت تذوي وتضمر حين افترض أصحابها أنها لن تحمل إلى سدات الحكم في العواصم العربية، سوى الحركات والقوى الإسلامية على غرار حماس في فلسطي.
وقد تأكد التراجع عن هذه الدعوة أكثر في عهد باراك أوباما، الذي أظهر ميلًا إلى صيانة الوضع الراهن وأفضلية الاستقرار، في ظل التعامل مع الأنظمة الموصوفة بالاعتدال والصداقة للغرب، على حساب البعث الديمقراطي وتوابعه، نزولًا عند الافتراض ذاته.
على الجانب الإقليمي العربي، وجه خطاب الشرق الأوسط «الديمقراطي» بحملة مضادة تشكك في أهدافه ومغزاه، انطلاقا من الصورة السلبية المستقرة للسياسة الأميركية لدى سواد الرأي العام ومعظم نخب المعارضة.
وفيما كان المسؤولون الأميركيون يلوكون مفردات هذا الخطاب الواعدة بجنان الحريات العامة وحقوق الإنسان، كان الجمهور العربي يسخر من قول لا يصدقه العمل، لاسيما في ضوء الإسناد الأميركي الممتد للعدوانية الإسرائيلية، ضد الحقوق العربية في فلسطين وجوارها.
المفارقة هنا أن كلا من أصدقاء الولايات المتحدة وخصومها، قد تلاقوا على حد سواء عند الامتعاض والتحسب من دعوتها لقضية التحول الديمقراطي العربي!
فالأصدقاء المعتدلون استطلعوا في التوجه الأميركي شيئا من التحريض ضدهم، والتكدير على أوضاعهم ومصالحهم ومكتسباتهم المستقرة، ومخططات بعضهم لتوريث الحكم إلى أبنائهم..
بينما اتخذ الخصوم مواقفهم انطلاقا من استحضار الجوانب المظلمة لسيرة السياسة الأميركية معهم ومع بلدانهم، كما ساءهم أن يظهروا في غمرة القضية بمظهر التبعية لواشنطن أو العمالة لها.
هذا يعني أن الداعين للشرق الأوسط الجديد أو الكبير؛ الديمقراطي، والمقصودين بهذه الدعوة، حكاما قاهرين ومحكومين مقهورين، أصبحوا في لحظة معينة وقد نبذوا جميعهم تقريبا هذه الدعوة، وذلك على غير اتفاق، ولأسباب شديدة التباين.
والذي حدث أنه عند هذه اللحظة انفجر مرجل الغليان الثوري في غير قطر عربي، مؤكدا بالبرهان العملي أنه لا سلطان لطرف خارجي في تحريك الأشواق العربية للتغيير الديمقراطي،.
وأن أفضل مداخل هذا التغيير وأكثرها نجاعة وطهرية، هو الذي يتأتى من الإرادة الذاتية.
وبمعنى ما، شكل استقلال هذا الحراك الشعبي الداخلي، المفاجئ وغير المعهود؛ قليل التنظير والتنظيم، صدمة للنظم الحاكمة..
وكان من تجليات حالة الذهول عندها، أنها راحت تتخبط بين اتهام المنتفضين بالاستتباع لأطراف وأجندات خارجية متناقضة تماما، تقع على متواصل حداه الغرب والصهيونية من ناحية، وتنظيم القاعدة من الناحية الأخرى!
والحق أن الغرب عبر في ردود أفعاله الأولية عن صدمة مماثلة، إذ لم يأنس في هذه المنطقة المزدحمة بمصالحه الحيوية، أن تصاب بمثل هذا الحراك الضخم دون توقعات عنده.. لكنه حاول الاستدراك سريعا،.
والتعامل مع هذه الحالة بأسلوب الطوارئ والخطط العاجلة.
بكلمات أخرى؛ وقعت القوى الغربية، والولايات المتحدة خاصة، في موقف رد الفعل، بيد أنها لم تلبث في موضع التلعثم والارتباك إلا قليلا.
وساعدها على سرعة استجماع أمرها، أن بعض النظم العربية المذعورة عجلت بطلب العون منها على نحو غير مباشر، بناء على الفزاعات التقليدية القائلة بأن بديلها هو القاعدة والإسلاميون الراديكاليون.
والمدهش أن المنتفضين بدورهم اهتموا بمراقبة المواقف الغربية من حراكهم،.
وذهب بعضهم إلى استعطاف الغرب واستمالته، وأحيانا طلب العون منه، لاستكمال أهداف هذا الحراك، دون استثناء المساعدة العسكرية.
من حصيلة هذه المعطيات، تبدو التغلغلات والمداخلات الغربية على خطوط التفاعلات العربية، حتى المفاجئ منها وغير المتوقع، وكأنها جزء من أقدار العالم العربي.
لقد لفظ العرب، حكاما ومحكومين؛ معتدلين وراديكاليين، أسلوب الرعاية الأبوية الوصائية لمسألة التحول الديمقراطي في بلادهم،.
لأسباب مختلفة، لكنهم وهم يفعلون ذلك، ظلوا بأسماعهم وأبصارهم مشدودين إلى ما يصدر عن هذا الغرب من ردود أفعال وخطوات..
لا يمكن مثلا التهوين من تداعيات إشارات واشنطن التحذيرية للرئيس المصري السابق حسني مبارك بضرورة الرحيل سريعا، على استشعار ملايين الثائرين في ميدان التحرير في القاهرة بقرب الظفر.
ولا يصح إغفال دور الغطاء الجوي الغربي لصالح ثوار ليبيا، في قراءة المستقبل أمام نظام القذافي، طالت مقاومته أم قصرت.
وليس حكيما من لا يتصور تأثير التلكؤ الغربي في إظهار العين الحمراء لنظام الرئيس علي صالح في صنعاء، على محاولة هذا النظام للإفلات من مصير سلفيه في تونس والقاهرة.
ومن المعلوم الآن أن تخلي الغرب من قبل عن نصرة نظام ابن علي في تونس، قد عجل بانهياره..
الشاهد عموما، أن الثورات العربية المتوالية لم تتحرك بقرارات غربية مباشرة، لكن جانبا معتبرا من وتائرها ومساراتها ومصائرها، ربما يبقى مرتبطا بسياسات الغرب ومداخلاته.