سألني صحافي في جريدة الواشنطن بوست، عن رأيي في المخاوف داخل مصر وخارجها من تنامي دور الإسلاميين في السياسة المصرية، خصوصا بعد الجرائم التي ارتكبت مؤخرا باسم الدين، ومنها هدم الأضرحة وقطع أذن مسيحي.

كنت أعرف طبعا أن المستهدف هو القارئ الأميركي، فقلت ربما تكون الحالة الأميركية ذاتها هي أفضل الحالات التي أستطيع من خلالها أن أجيب عن السؤال، فالشعب الأميركي شعب متدين، بل هو وفق الدراسات أكثر شعوب العالم الغربي تدينا، ولا يوجد في أميركا فصل بين الدين والسياسة. والتداخل موجود لا تخطئه عين المتابع العادي، فضلا عن أن الخطاب العام السياسي الأميركي، محمل بالكثير من العبارات والرموز والدلالات الدينية، في حين يلعب الدين دورا رئيسيا في السياسة الأميركية.

ولأن الشعب المصري بمسلميه ومسيحييه، شعب متدين كالشعب الأميركي، فإنني أعتقد أنه ستكون هناك دوما، كما هو حادث الآن بالفعل، علاقة بين الدين والسياسة، وليس بالضرورة بين الدين والدولة. أما من ارتكب تلك الجرائم فلا بد أن يحاكموا فورا، فتلك جرائم مروعة لا بد من حساب من ارتكبوها بمنتهى الحسم والشدة. أما عن علاقة ذلك بالسياسة، فأقول إن العالم كله فيه متطرفون باسم الدين، بما في ذلك أميركا نفسها التي يوجد فيها تطرف مسيحي، يحمل قطاع منه السلاح وارتكب جرائم عديدة عبر السنوات. لكن تظل تيارات التطرف على هامش السياسة لا في وسطها، والسؤال دائما لا يكون حول وجودها، وإنما عن مدى تأثر الوسط السياسي بها.

والحقيقة أن التطرف الأميركي لا يقتصر على التطرف الديني، فهناك تنامٍ للتطرف السياسي المختلط بالدين، كشف عن نفسه بوضوح في الأزمة الكبرى التي واجهتها مفاوضات الكونغرس بشأن إقرار الميزانية الفيدرالية الجديدة، والتي ظلت متعثرة حتى يوم الجمعة الماضي، مما كان يهدد بإغلاق الحكومة الفيدرالية أبوابها صباح السبت. ورغم أنه قد تم التوصل لاتفاق في اللحظات الأخيرة يبقي الأبواب الحكومية مفتوحة، إلا أن ما جرى في تلك المفاوضات من معارك، يعبر بوضوح عن حالة الاحتقان السياسي المرشح للازدياد في الفترة القادمة، بل وتأثر الوسط السياسي نفسه بتيار التطرف على نحو بالغ الوضوح.

وقد جاء هذا التطرف السياسي مدفوعا بحركة حفل الشاي اليمينية، التي لعبت دورا مهما في حصول الجمهوريين على الأغلبية في مجلس النواب في نوفمبر الماضي. وبموجب هذا الدور تمارس الحركة برموزها، ضغوطا هائلة على الحزب الجمهوري بالكونغرس، مما أدى لدفع الحزب دفعا نحو اليمين حتى بالمقارنة بعهد بوش، وهو الأمر الذي جعل الحزب يقف الآن في أقصى اليمين في بعض القضايا.

ففي مجلس النواب يتبنى الحزب مواقف تتبنى أجندة النيوليبرالية الاقتصادية، التي تفتح الباب على مصراعيه أمام الرأسمالية المتوحشة بلا رادع، وتنزع شبكة الأمان الاجتماعي من فوق رؤوس الأكثر فقرا وضعفا في المجتمع لحساب الأغنياء. وقد ظلت رموز الحزب ترهن الموافقة على الميزانية بقضايا أيديولوجية ودينية لا علاقة لها بالميزانية أصلا، فإحدى القضايا التي وقفت عقبة كؤودا ضد التوصل لوفاق بشأن الميزانية، كانت بندا أصر الجمهوريون في مجلس النواب على إضافته للميزانية، يحرم الهيئة الفيدرالية لحماية البيئة من مراقبة انبعاث الغازات التي تؤدي للاحتباس الحراري وتغير المناخ، بحجة أن هذا الدور يؤثر على صناعة الطاقة ويرفع أسعارها، ومن ثم يهدد الاقتصاد.

لكن الأخطر من هذا كله، هو ما أفصح عنه النائب الجمهوري بول راين رئيس لجنة الميزانية في مجلس النواب، من خطة الجمهوريين لميزانية العام القادم. فما يطرحه الجمهوريون في تلك الخطة، يمثل انقلابا شاملا وتراجعا مذهلا عن شبكة الضمان الاجتماعي التي تم بناؤها على مدار ثمانية عقود. فالخطة لا تدعو فقط إلى إلغاء قانون الرعاية الصحية الذي صدر في عهد أوباما، وإنما تستهدف برنامجي الرعاية الطبية والمساعدة الطبية، اللذين تم إنشاؤهما في الستينات. وبرنامج الرعاية الطبية تموله بالكامل الحكومة الفيدرالية، ويقدم الرعاية الصحية لكبار السن، بينما يقدم برنامج المساعدة الطبية الرعاية الصحية للفقراء وذوي الاحتياجات الخاصة، بتمويل فيدرالي ولكن تديره حكومات الولايات.

وما يريده الجمهوريون بخطتهم الجدية هو خصخصة البرنامجين، بما يحولهما من برامج أحقيات إلى برامج يشارك فيها من يشاء. فبدلا من أن يتلقى كبار السن الرعاية الطبية ثم تسدد تكاليفها الحكومة الفيدرالية لمقدمي الخدمة، يتلقى كبار السن مبلغا من المال لشراء التأمين الصحي من الشركات الخاصة، وهو ما يعرض تلك الفئة لتقلبات السوق وانحرافاته. أما برنامج المساعدة الطبية، فيسعى الجمهوريون إلى تقديم منح محددة لحكومات الولايات، التي يصبح لها حرية تحديد الشروط الواجب توافرها في المتلقين، بل وأنواع الرعاية التي يحصلون عليها.

لكن الواضح أن الجمهوريين، رغم ذلك الموقف الأيديولوجي المتطرف الذي يخفض الضرائب على الشركات الكبرى والأثرياء بينما ينزع شبكة الأمان عن الفئات الأضعف في المجتمع، عينهم بالتأكيد على انتخابات ‬2012 الرئاسية والتشريعية. ولأنهم يدركون تماما أن كبار السن قوة تصويتية مهمة، فضلا عن أنهم يملكون واحدا من أعتى جماعات اللوبى ـ وهو الاتحاد الأميركي للمتقاعدين ـ فقد تفتق ذهنهم عن فكرة مفضوحة أهدافها، حين قالوا إن من هم أكثر من ‬55 عاما لن يتعرضوا لأي تغيير على الإطلاق بموجب هذه الخطة، إذ سيتم تطبيقها فقط على ما هم دون ذلك السن حين يصلون لسن المعاش، أي أنه سيطبق فقط على من هم خارج تلك القوة التصويتية ولا يمثلهم اللوبي القوي!

الحكاية إذن ليست مجرد تطرف أيديولوجي، وإنما أيضا انتهازية سياسية. لكن المشكلة في الواقع هي أن التطرف ليس في هامش الساحة السياسية، وإنما في قلب الوسط السياسي.