إلى أين تمضي إسرائيل؟ وما الذي يدفعها في سياق العنف والدم مرة وإلى الأبد؟ ثم من يدفع الشباب الإسرائيلي على نحو خاص في طريق الفاشية والميل إلى العنف؟

في الأيام القليلة المنصرمة، نشرت صحيفتا «هاآرتس» و«يديعوت أحرونوت» الإسرائيليتان، مقتطفات لدراسة أجريت من جانب «صندوق فريديرك ابرت» الألماني، بالتعاون مع مركز «ماكرو للاقتصاد السياسي» على مدى ‬12 عاماً في إسرائيل، على شباب إسرائيل واتجاهاتهم السياسية والقومية والدينية، وقد كانت النتائج وخيمة ولا شك، بالنسبة إلى إسرائيل، وكذلك على جيرانها من العرب.. فما الذي جاءت به النتائج؟

تؤكد بداية أن الشباب اليهودي فيها أضحى أكثر عنصرية وفاشية، وبات أكثر ميلاً لاستخدام العنف، حتى ضد قرارات الحكومة الإسرائيلية نفسها، وأنه أصبح يؤمن بشكل متزايد بالزعيم المعبر عن القوة، أكثر مما يثق في أصحاب العقول، ويغلب متطلبات الدولة الأمنية على مقتضيات العمل الديمقراطي في حال التصادم بينهما.

وفي إجمالي المشهد، فإن مواقف الشباب اليهودي تشهد على تعاظم الأساس القومي اليهودي، مقابل ضعف بارز في التفكير المستند إلى الأساس الديمقراطي الليبرالي.

وعلامة الاستفهام الأولى بالتوقف: كيف بات المشهد على هذا النحو العنصري، بنوع كريه وغير مسبوق إلا في النظم الفاشية والنازية؟

ربما نجد الإجابة في التطرف الذي يطل برأسه من فتاوى حاخامات إسرائيل اليمينيين في الآونة الأخيرة، ففي ‬15 يونيو من عام ‬2004 صدرت فتوى من مجموعة من الحاخامات عنوانها «حياتنا أولى»، وهي في واقع الأمر بمثابة دعوة مفتوحة لإعمال القتل، إذ تقول «نحن الموقعون أدناه (‬15 حاخاماً) نناشد حكومة إسرائيل وجيشها العمل وفقاً لمبدأ القادم لقتلك اسبق واقتله». وتضيف الفتوى «لقد تعلمنا هذا المبدأ المهم الضروري، منذ زمن سيدنا موسى حتى سلوك دولة إسرائيل عام ‬1976، ومن العرف الذي جرى عليه القانون الدولي، فلا حاجة ولا معنى للانتظار حتى يبدأ المعتدي عدوانه، ويجب منعه قبل أن يبدأ». وفي متن الفتوى ما يشبه التصريح بقتل المدنيين بصورة مطلقة.

والمثير في الفتوى أنها تسترشد بحروب الولايات المتحدة في العراق وحروب روسيا في الشيشان.

فتوى أخرى بتاريخ الحادي عشر من أكتوبر ‬2004، صاحبها هو الحاخام «شموئيل الياهو»، وتكشف عن المخطط الرئيسي لتهجير سكان فلسطين الأصليين، إذ تتساءل: «ما الذي يجب أن نفعله؟ وهل يجب أن نقذف بهم من هنا وأن نبيد جميع أعدائنا؟ وكيف نفعل ذلك الآن؟». والرد كان كالتالي: «يجب أن نشجعهم على شراء أراضٍ خارج أرض إسرائيل» (لاحظ عنصرية الألفاظ)، «وهذا هو الطريق الوحيد لتبقى أرض الموعد للشعب المختار».

أما الحاخام الأكبر «دوف ليئور»، ففي ‬4 أكتوبر ‬2005 نراه يجيز قتل الأسير الذي يستسلم، وعنده أنه «وفقاً لأحكام التوراة فإنه لا غضاضة في قتله».

في هذه الأجواء يضحى من الطبيعي أن يتراجع الحس الديمقراطي لدى شباب إسرائيل، ويتزايد التعاطف مع الميول اليهودية القومية، ويرتفع عدد من يؤمنون بأولوية يهودية الدولة كهدف للدولة العبرية، من ‬18,1٪ عام ‬1988 إلى ‬33,2٪ العام الماضي.

وفي المقابل، تراجع التماثل مع الطابع الديمقراطي لدولة إسرائيل، من ‬26,1٪ إلى ‬14,3٪، كما تراجع الطموح لتحقيق السلام مع الدول العربية، من ‬28,4٪ قبل ‬13 عاماً إلى ‬18,2٪ حالياً.

وفي هذه الأجواء، هل من إمكانية حقيقية لتعايش عربي يهودي مشترك في داخل إسرائيل أو في الجوار؟

بحسب الدراسة المشار إليها آنفاً، رد ‬55٪ من الشبان اليهود بسلبية، بل إن ‬46٪ من اليهود طالبوا بمنع مشاركة العرب في انتخابات الكنيست، وأعرب نصفهم عن رفض العيش في أحياء مشتركة مع العرب، وقال ‬54٪ إن موقفهم من العرب سلبي. وكان التعبير الأبرز هو «الكراهية» بنسبة ‬25٪، والخوف بنسبة ‬12٪. ولم تنل تعابير التعاطف مع العرب والمودة نحوهم، إلا ‬2,5٪ لكل واحد.

هل تجيء هذه النتائج صادمة لنا؟

بالمطلق، لا.. ذلك أن المد الديني اليمين اليهودي، يتجلى في الداخل الإسرائيلي بصورة تجعل من الطبيعي توقع مثل تلك النتائج، بل وما هو أسوأ منها. ولعل خير مثال على ذلك، أن جهات دينية عدة في إسرائيل أدخلت بعد اتفاقية أوسلو على صلاة السلامة لدولة إسرائيل، والتي تقول كلماتها «يا رب ابسط عليها مظلة سلامك، وارسل نورك وخشيتك على قادتها ووزرائها.. الخ»، أضافت تعبير «أزل حكومة الشر من البلاد»، وقد كان المقصود اسحق رابين الذي وقع مع الفلسطينيين الاتفاقية. وهذا الدعاء نفسه كان يقال ضد هتلر، ويعد عند المؤمنين من اليهود، بمنزلة إعلان الثورة على الحكومة التي فقدت أهليتها وأصبحت متمردة لعينة عند الرب. فماذا كانت النتيجة؟ اغتيال اسحق رابين على يد قوى الأمن الداخلية الإسرائيلية، وليس عبر «الكومبارس» المدعو «إيغال عامير»، ومن بعده لم يقدر لمسؤول إسرائيلي ما أن يتوصل إلى صيغة سلام مع الفلسطينيين أو السوريين.

وخلاصة المشهد الداخلي الإسرائيلي، أن ‬75٪ من الشباب اليهودي لا يؤمنون اليوم بإمكانية أن تقود المفاوضات إلى سلام مع العرب، ولذلك فإن أغلبيتهم الساحقة تؤيد استمرار الأوضاع القائمة كما هي. وتجد أفكار زعماء أقوياء أو متطرفين، مثل افيغدور ليبرمان، طريقها إلى عقولهم وقلوبهم بأقرب صورة ومشاعر، عكس أفكار الأحزاب اليسارية أو حتى أحزاب الوسط الصهيوني. أما المؤسسة الوحيدة في الداخل الإسرائيلي التي تنال أعلى درجة من الثقة تصل إلى ‬93٪، فهي الجيش.

ماذا بعد؟ انظر ما ترى، وهو غير خافٍ عن العيون..