كما يقول المثل: عندما تواجه القاتل يمسي اللص ملاكا.

وهذا ما يحصل اليوم في ليبيا. فعندما نتذكر أيام عناد الرئيسين التونسي والمصري السابقين، ونقارنهما بالأزمة الإنسانية وغير الإنسانية التي يمر بها الشعب الليبي جراء الحرب المسلحة التي يشنها العقيد معمر القذافي ضد أبنائه، نجد كم كان المصريون والتونسيون محظوظين برؤسائهم.

بالرغم من أن النظامين المصري والتونسي خلفا جثثا ومصابين ومعاقين، إلا أنهما سرعان ما استسلما لإرادة شعبيهما وأدركا أن الوقت قد فات ولم يعد يعمل لصالحهما. وانسحبا.

النظام الليبي، قرر مواصلة القتال حتى آخر رمق. وكون الرئيس الليبي عقيدا وقائدا في الجيش وذا خبرة في الحكم المطلق، فيفترض منه على الأقل أن يكون سياسيا وسطيا وذا رؤية بعيدة قبل أن يكون عسكريا فظا ومتعنتا. فالقائد بشكل عام هو من يزن الأمور في ساحة الحرب تماما كما في ساحة السلم، ويقدر مصير جيوشه وشعبه ووطنه قبل مصيره ومصير رتبه ونياشينه العسكرية التي يحملها على كتفيه وصدره. ومن قرأ سيرة مصر على سبيل المثال أيام حكم كليوباترا، وتورطها في الحرب البحرية التي دارت رحاها بين انطونيو واكتافيوس في اكتيوم عام ‬30 قبل الميلاد، وكيف أنها قررت بعد دراسة الوضع على الساحة الانسحاب بأسطولها، عندما أيقنت بحكمة القائد العسكري بان الرياح لا تجري في صالح تحالفها مع انطونيو، وكان هدفها غير المعلن هو إنقاذ أسطولها البحري من التدمير، وبلدها من الاحتلال حتى ولو كلفها ذلك حياتها.

غير أن الحرب عند العرب غير ذلك، وتلعب الأنفة والعزة بالنفس وكرامة القائد دورا كبيرا في مجريات الحروب ونتائجها، ويأنف القائد العربي الهزيمة أيا كان الثمن حتى آخر رمق أو آخر جندي، بل انه يدعي النصر بينما يرفع الراية البيضاء أمام عدوه. وهذا فيما يبدو ما يحدث الآن على الساحة الليبية.

 وهناك أمور أخرى تلعب دورها في عناد العقيد القذافي في عدم التنحي كما فعل من سبقه من جيرانه. فهو غير قادر على أن يتقبل فكرة التنازل بهذا الشكل المخزي والمخجل لعقيد نصب نفسه ملكا على شعبه، ومن ثم ملكا على ملوك افريقيا. ثم انه كان ينظر إلى نفسه على أنه أول قائد في العالم يشق نهرا عظيما يجري في الصحراء القاحلة. وأنه نقل الجمهورية الليبية الشعبية الديمقراطية من الحضيض ليضعها في مكانها اللائق كما يدعي:

«في القمة». وأنه لا يرغب في السلطة وإنما ترغب السلطة فيه ويتهافت الشعب على تقبيل يديه ورأسه. وأن هؤلاء الذين أطلقوا على أنفسهم «ثوارا» إنما هم عبيد لأميركا والغرب، ويضمون في ثناياهم مجموعات إرهابية جاءت من كل مكان وبالتحديد من تنظيم القاعدة.

وبالتالي استحل دمهم لأنهم خرجوا على قائدهم العتيق لتخريب البلد الذي أسسه منذ توليه الحكم قبل ‬41 عاما. غير أن أكثر ما زاد من تعنت العقيد ليس أسلوب الخروج من السلطة، وإنما ما سيبث على الملأ مباشرة على الهواء، وما ستتناقله وسائل الإعلام عن لحظة انصياعه. بمعنى آخر، فإن غضب القذافي وتعنته ربما كان سببه الأساسي هو سرعة انتشار الأخبار على فضائيات العالم. فلا يمكن له أن يحتمل.

وهو ملك الملوك أن يتحدث العالم عن سقوطه وهزيمته بعد أن هدد وتوعد. فكلمة العار والخزي والكرامة والعزة مازالت فيما يبدو تلعب دورا محوريا في نفسية القذافي، وفي استمرار ما يحدث في ساحات المعارك في ليبيا. إن ما يتوجب على القائد الحق، بعد أن فشلت المساومات مع الثوار، هو الاختيار بين أن تتحول بلده إلى أفغانستان أفريقيا أو التنازل والانسحاب بشكل هادئ ليجنب بلده وشعبه أسوأ ما يمكن أن يصاب به شعب:

الاحتلال والفوضى وضياع المستقبل والبلد برمتها. وفي كلتا الحالتين هو الخاسر الأول. فإن انتصر على الثوار، فستظل الفوضى والعصابات والحرب الأهلية والسمعة الدموية والخوف والترقب والحكم العسكري والأحكام العرفية بالمدفع والدبابة. وإن خسر، فإن بلده ستعيش حالة من التمزق والانقسام حتى تقوم القيامة.

إن مساحة ليبيا أكبر من أن تستطيع قوات القذافي وكتائبه من السيطرة عليها بعد اليوم. فقد سحب صمام الأمان من القنبلة الموقوتة وفي انتظار ارتطامها، وخسر القذافي العديد من مقربيه وخسر صورته لدى العديد من أبناء الشعب العربي ممن أيدوه يوما ما لصراحته العلنية ولكراهيته للغرب قبل أن يسلمهم مقاليد الأمور. وربما مازال الوقت يعمل لصالحه .

فيما لو تنحى عن كرسي الوهم والخيال. وفيما لو حكم العقيد عقله قبل قلبه. فهذه الدولة العربية النفطية تعيش أسوأ أيامها وهي ترى آبارها تحرق وتتحول إلى دخان وأرضها تقصف وأموالها تهدر وأبناءها إما يقتلون على أيدي إخوتهم أو يفرون برا وبحرا. إنها كارثة.

إن ليبيا ستتحول بسبب تعنت المعمر القذافي إلى أفغانستان جديدة تعيث فيها دول الغرب فسادا وتخريبا وقصفا جويا ونهبا لمواردها الاقتصادية. فقد أعلن حلف الناتو قبل أيام عن أسفه لأن طائراته الحربية قتلت (بالخطأ) العديد من المواطنين الأبرياء. تماما كما كنا ومازلنا حتى هذه اللحظة نسمع عما يحدث في أفغانستان والعراق. ربما هذا ما قد يشفي غليل «القائد الوطني!» المعمر القذافي.

الخوف اليوم ليس من استمرار أو عدم استمرار العقيد في سلطته، وإنما على مصير بلد كامل بحجم وقوة الجماهيرية الليبية الشعبية الديمقراطية....