تكررت وتتكرر تهمة «المؤامرة الخارجية» كمحرك للثورات العربية وظاهرة الاحتجاجات التي عمت ربوع الوطن العربي الأربع! فالقوى التي تريد السوء بنا هي التي تحيك مؤامرة لزعزعة تقدمنا، وهي التي تهدف وضع العصا في سكة تطورنا، وهي التي تخطط ليل نهار للنيل من مكتسباتنا!!

هذه «الصيغ المكررة» التي تتواتر هنا وهناك، من هذا النظام العربي أو ذاك، بتنا نسمعها منذ أن تحرك الشعب العربي في أكثر من قطر للمطالبة بحقوقه المشروعة، بحركة جماهيرية قل نظيرها، حيث باتت نموذجاً للتحرك الشعبي في عصر العولمة، يقلده كثير من الشعوب؛ من مدن الصين المكتظة وغيرها من الدول التي ما زالت متمسكة بالنظام القديم، إلى تلك الشعوب التي حصلت على حقوقها الأساسية منذ مدة طويلة كالشعوب الأوروبية والأميركية، وهي تخرج للتظاهر رغبة لتحسين أوضاعها وليس لإسقاط النظام، كما فعل المتظاهرون الذين خرجوا في إحدى المدن الأميركية وهم يحملون يافطة كتب عليها باللغة العربية «ارحل» لمحافظهم!!

أما حجة «المؤامرة الخارجية» فتشير ضمناً ـــ كما نقول إن المعنى في قلب الشاعر ـــ بأن الأوضاع كانت وما زالت على ما يرام، وليس بالإمكان أحسن مما كان، وإن وجدت مثالب فهي من طبيعة الحياة وليس ثمة نظام كامل، فالكمال لله وحده سبحانه وتعالى.

ثم إن تلك المثالب والسلبيات لم تكن بعيدة عن نظر الحكومة ولم تكن غافلة عنها، فقد وضعت «لجاناً» لدراستها، وقد عاجلتها موجة التظاهرات وأخذتها على حين غرة، قبل أن تقدم تلك اللجان توصياتها بإصلاح ما أفسده الدهر! ومن المحتم أن الأعداء والمتآمرين الخارجيين كانوا على علم بعدم انتهاء تلك اللجان من عملها، فقرروا أن يحركوا الشارع «بريموت كنترولهم» الخارجي، «ليتعشوا بالنظام» قبل أن «تتغدى» إصلاحات النظام بتحركهم!!

إن بيوتنا من حديد، يا أيها المتآمرون الذين تريدون زعزعة أركانها، فمواطنونا متساوون كأسنان المشط، بل ليس هؤلاء وحدهم المتساوين، وإنما من حلوا في ضيافتنا ممن جاؤوا من كل فج عميق ليكسبوا الرزق الحلال. ونحن «دولة قانون ونظام»، فلا تمتهن كرامة أي شخص ـ مهما انحدر مقامه وتواضع ـ إلى درجة أنه في مخافرنا وأقسام شرطتنا، نخاطب المقبوض عليهم بـ«طال عمرك» و«سعادتك»، ونخيرهم في التحقيق بين الدفاع عن أنفسهم أو طلب محام!!

إن دعايتكم المغرضة، يا عناكب الليل، بأن أنظمتنا مبنية على الطائفية والقبلية والمناطقية، ما هي إلا افتراء من نسج خيالكم المريض، فالتعايش قائم بين مكونات المجتمع عندنا منذ قرون، ونظمنا الحديثة تقوم على المواطنة والولاء للدولة.

وبالتالي لا يهمنا إلى أي فريق أو مذهب أو دين أو قبيلة أو منطقة ينتمي هذا المواطن أو ذاك حينما نقوم بالتوزير، أو بتنصيب القيادات العليا في القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وغيرها من المناصب الحساسة، فما دام الكل في ولاء وطني تام للدولة، فلا خوف من هذه الفئة أو تلك ولا هم يحزنون على أمن الدولة!!

ثم يا من ترموننا بحجر وبيوتكم من زجاج و«تأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم»، ألا نظرتم إلى ما تعاني دياركم من أزمة اقتصادية وبطالة وكساد؟ فإن كان عندنا بعض الجموع العاطلة فقد أوجدنا لها عملاً «بجرة قلم»، فهل يستطيع كائن من كان من رؤسائكم، حتى لو كان أوباما «بجلالة قدره»، أن يوفر ولو وظيفة واحدة لأي أميركي؟! ثم هل يستطيع زيادة المرتبات والأجور، ويجزل بها العطاء، ثم يتبعها بتوزيع «التموين» مجاناً سنة كاملة، حتى سميت ‬2011 بـ«سنة الطفحة»!!

وإنكم لقائلون إن جموع الشعب ليست معنا وهم ليسوا في صفنا، وخدعتكم تلك الأعداد المحتشدة، في ميادين التحرير وغيرها من ميادين مدن هذا الوطن العربي الشاسع، وظننتم أن من خدعتموهم «بفضائياتكم» وبتصريحات مسؤوليكم، وبمنظمات حقوق الإنسان التي أصبحت أبواقاً لكم، أن هذه الأعداد المحتشدة ــ مهما كبرت ـــ إنما هي «غيض» من «فيض» أولئك المواطنين الصالحين القابعين في بيوتهم.

والذين لم ينطل عليهم خداعكم وزعيقكم الإعلامي، فهؤلاء مع النظام قلباً وقالباً. أما أصحابكم ومريدوكم، فهم ثلة قليلة من الشباب المخدوع، الذي لا هم له سوى تصفح «الفيس بوك» و«التويتر» والعيش في عالم خيالي افتراضي من صنعكم!!

كفوا أيديكم عنا، وألجموا ألسنتكم عن أن تلوك في خصوصياتنا، واتركونا وشأننا، ولا تضللوا شبابنا، فنحن «بنعمة وخير» و«الله لا يغير علينا»، وحالنا على أحسن ما يرام، وإن سكتت أبواقكم الدعائية فلن تجدوا أحداً عندنا ينبس ببنت شفة أو يتلفظ بكلمة، اللهم إلا بالدعاء إلينا.

ولأمثال هؤلاء ومن يتحججون بهذا المنطق، نقول كما أنشأ شاعرنا العربي: يا أمة ضحكت من جهلها الأمم!!