في أحد الملتقيات المهتمة بتطوير وتنمية الموارد البشرية يشير أحد المسؤولين في احدى الوزارات السيادية إلى معوقات التوطين في مؤسسته فيقول: «نتمنى أن يعين في كل شاغر وظيفي مواطن، ولكن نصطدم فعليا بقلة الميزانية المخصصة لذلك الشاغر، وبالطبع لن نجد مواطنا يرضى بالمبلغ الذي ربطته الميزانية لتلك الوظيفة لذا نضطر إلى تعيين وافد يرضى بالراتب الزهيد وساعات العمل الطويلة».

هذه النظرة للمواطن بأنه مكلف بالإضافة بالطبع إلى النظرة النمطية المسبقة بأن المواطن يتطلع دوما إلى الوظائف المكتبية وينفر من العمل اليدوي والمهني تعد سببا رئيسا ينبغي معالجته كخطوة أولية لعملية التوطين وبالتالي حل الخلل السكاني.

لم يكن المسؤول الذي أشرنا له سابقا ينتمي لاحدى الوزارات الخدمية العادية بل مسؤول في وزارة سيادية كبرى تعادل ميزانيتها ضعفي أي وزارة خدمية أخرى، ومع ذلك فهو يشتكي من ضعف الموارد المخصصة لعملية التوطين في مؤسسته، إذا فما هو حال باقي الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى؟ ولماذا نلوم القطاع الخاص الرامي للربحية والراغب دوما في زيادة موارده؟ وهل نطبق شروط الشركات من خسارة وربح على مستقبل وطن ونديره كما تدار الشركات التجارية الرامية للربح؟

ولماذا لا نرفع أجور المواطنين العاملين في المهن الصغيرة المحتكرة حاليا بنسبة ‬100٪ من قبل العمالة الوافدة وبالتالي نضرب عصفورين بحجر؟ هناك مهن صغيرة اتجه لها المواطنون والمواطنات بعد أن أصبحت ذات مردود مالي مربح. مهن كالخياطة وتصميم الأزياء وفنون الطبخ أصبحت شائعة بعد أن أصبحت مربحة. إذا فالمقولة بأن المواطن لا يرغب في مهن يدوية أو مهن متعبة هي مقولة غير صحيحة. تشجيع هذه الاتجاهات الجديدة ضروري للتوطين وبالتالي لحل الخلل السكاني.

لن نخصص هذه المقالة للحديث عن التوطين ولا عن معوقاته في الإمارات، فقد تم تناوله مرارا وتكرارا حتى أصبح الحديث فيه مملا، ولا يبدو أن هناك ضوءا قريبا في نهاية النفق ولا يبدو أن الإحصائيات التي تنشر عن البطالة المواطنة، حتى تلك الماهرة، ولا عن الخلل في التركيبة السكانية والهوية الوطنية والتأثير السلبي على اللغة والعادات الاجتماعية والاختلال القيمي.

والذي هو نتاج لبطء عملية التوطين والانفتاح الكبير والنمو الاقتصادي غير المتوازن، لم يعد هذا كله يثير فزع الناس بعد أن سئموا سماع نفس الكلام مرات ومرات عديدة، وأصبحوا تواقين إلى أن يروا إجراءات حاسمة وحازمة في سبيل حل قضيتين مترابطتين وهما التوطين والخلل السكاني.

فما نشرته الإحصائيات الأخيرة عن عدد سكان الإمارات يجعلنا نتساءل مجددا عن صحة التنبؤات التي ذكرها الكثير من الأكاديميين المواطنين وغيرهم عن احتمالية وصول عدد سكان الإمارات من المواطنين في العقود القادمة إلى صفر في المائة وكيفية التعامل مع وجودنا كجالية صغيرة بقضاياها الكبيرة وسط بحر أو بالأحرى محيط متلاطم من الجاليات والثقافات المتعددة والجديدة التي أصبحت تأتي وتعيش بيننا، جنسيات تعودنا على وجودها بيننا منذ قرون وأخرى جديدة سمعت هي عن الإمارات وانفتاحها وتوفر فرص العمل فيها قبل أن نسمع نحن عنها.

يبدو أن التحذيرات التي أطلقها العديد من الباحثين والأكاديميين على مدى السنوات الماضية تحمل الكثير من الصحة والواقعية. فعدد سكان الإمارات قبل خمسة أو ستة عقود كان أقل من مليون وعدد المواطنين فيه حوالي ‬35٪ إلى ‬60٪. وبالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة إلا أن التقديرات التي تنبأت ببلوغ سكان الإمارات إلى عشرة أضعاف في فترة قصيرة كانت صادقة. فلقد أثبت إحصاء عام ‬2005 الرسمي بـأن عدد سكان الإمارات أكثر بقليل من ‬4 ملايين كان عدد مواطني الإمارات فيه حوالي ‬822 ألفا أي حوالي ‬15٪ من اجمالي العدد العام.

في آخر إحصائية أصبح عدد سكان الإمارات حوالي ‬8 ملايين وعدد المواطنين حوالي ‬11٪. وهكذا يبدو أن الزيادة المواطنة قليلة وبطيئة ولن تنجح في إصلاح الخلل أو تعديل الوضع السكاني في الوقت الراهن على الرغم من كل الإجراءات وهذا يقودنا إلى التفكير في المستقبل وفي احتمالية وصولنا إلى رقم صغير في إحصائية ضخمة. فماذا نحن بفاعلين إزاء هذا الوضع وكيف نتهيأ نفسيا وفكريا له ونهيئ الجيل الجديد لتقبل هذا الوضع والتعامل معه اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا.

لن نبدأ بشرح عوائق التوطين المحتملة والتي يبدو أنها سوف تظل دون تغيير يذكر ولا التغيير الذي سوف يطال السياسات السكانية لأنها بالتأكيد أيضا لن تتغير كثيرا ولن نناقش بسياسات الانفتاح الاقتصادي لأننا أيضا محتاجون لأعداد أخرى من العمالة الوافدة في ظل بقاء نفس التوجهات الاقتصادية دون تغير.

لذا نحن محتاجون فقط لذهنية جديدة لتقبل هذا الوضع والتعامل معه. سوف نبدأ أولا بتشريح للواقع الاجتماعي والاقتصادي المتوقع. فكما يبدو سوف نحتاج مستقبلا إلى آليات اقتصادية واجتماعية جديدة للتعامل مع الوضع الديمغرافي الجديد. فجميع الاستراتيجيات التي وضعت حتى الآن تتعاطى مع مجتمع الإمارات على أساس أنه أمة واحدة لغتها العربية ودينها الإسلام وتربط أهل الإمارات مع بعضهم البعض روابط النسب والدم وبقية القواسم المشتركة الأخرى. ولكن هذا التفكير سوف يتغير.

فسوف نصبح دولة جديدة قائمة على أساس مزيج من الأعراق واللغات المختلفة والأديان المختلفة كما سوف نحتاج إلى تغيير الكثير من الثوابت التي نشأنا عليها من عروبة وقومية. سوف نحتاج أيضا إلى استجلاب رموز وطنية جديدة تمثل واقعنا الجديد عوضا عن الرموز الحالية، بمعنى آخر نحتاج إلى أن نعيد النظر في التركيبة المجتمعية بأكملها.

وبحكم أن كل مجريات المجتمع الحالية سوف تصبح في المستقبل تاريخا لذا فنحن نحتاج إلى اعادة صياغة تاريخنا بشكل مغاير ومنصف بحيث يضم ويشمل إسهامات كل طوائف المجتمع وأعراقه وبما أن التاريخ يدرس في مدارسنا وجامعاتنا لذا فما يحدث حاليا سوف يصبح مستقبلا جزءا من تاريخ الإمارات والتاريخ هو سجل للحضارة بكل مكوناتها. فهل نحن واعون ما يحدث حاليا وتأثيره على الإمارات في حقبها القادمة؟ نحن نبني وطنا وأمة ولا نبني شركة تجارية لذا فقضية الربحية يجب ألا تكون عائقا ومعوقا للتوطين الذي يعني المستقبل لأجيال هذا الوطن.