تصادف يوم غد، التاسع من أبريل، الذكرى الثامنة لسقوط العاصمة العراقية تحت الاحتلال الأميركي، وبدء مرحلة جديدة شائكة من تاريخ العراق الحديث، اختلف الكثيرون حول مساراتها، بين مفرط في التفاؤل وآخر مفرط في التشاؤم، وبين من ينتظر ما تأتي به الأيام ليحسم موقفه. وخلال هذه السنوات الثماني مرت بالعراق أحداث جسام اختلط فيها الحابل بالنابل، ولم تفرز مسارات واضحة لمستقبل العملية السياسية التي ولدت مع النظام الجديد، إلا في السنة الأخيرة.
فمنذ الانتخابات النيابية الأخيرة في السابع من مارس 2010، بدأت تتشكل ملامح توجه جديد لا يتفق مع الآمال التي عقدت على العملية السياسية، فهناك ما يشير إلى أن المرحلة المقبلة لا تختلف في جوهرها عن المراحل السابقة التي شهدها العراق من حكم فردي، إلا ببعض المظاهر.
أبرز ملامح هذه المرحلة، هو إصرار حزب الدعوة (دولة القانون) بزعامة المالكي، على التمسك بالحكم، على الرغم من أن نتائج الانتخابات الأخيرة لم تكن في صالحه، إلا أنه استطاع عبر مناورات طويلة، توظيف بعض الثغرات في الدستور وعقد تحالفات معقدة وهشة، رافقتها ضغوط خارجية من أجل البقاء في السلطة.
من جانب آخر شهدت هذه المرحلة بدء الانفصام، بشكل واضح، بين الجمهور الواسع وبين النخب المشاركة في العملية السياسية. وقد اتخذ هذا الانفصام مظاهر شتى، ابتداء من النقد والتذمر على مستوى الأفراد، إلى التظاهرات الاحتجاجية الجماعية الواسعة.
فخلال السنة الأخيرة توسعت حركة الاحتجاجات، وتحولت إلى غضب عارم عبر عن نفسه باعتصامات وتظاهرات حدثت في عدد من المدن العراقية، احتجاجاً على الإهمال والبطالة وضعف الخدمات، خاصة في قطاع الكهرباء خلال فصل الصيف اللاهب المنصرم. إلا أن تلك التظاهرات، على الرغم من أن نهاياتها كانت دموية في بعض المدن، لم تقلق الحكومة كثيراً، فقد تمكنت من احتواء تداعياتها مع مقدم فصل الشتاء ومع تقديم حزمة من الوعود المعسولة.
والحقيقة أن عدداً من المسؤولين المشاركين في العملية السياسية، لا يخفون استياءهم من تقاعس الحكومة وبطئها في تلبية الحاجات الأساسية للمواطنين، ويظهرون التعاطف معهم. فالنقد والتذمر والاحتجاج تتردد في الصالونات الأنيقة، كما تتردد في الأزقة والطرقات، ولكن بمستويات مختلفة وبنكهات متباينة. فهناك فوارق كثيرة وكبيرة جداً في الرؤى والأهداف، بين من يسكن سفوح الجبال ومن يسكن قيعان الوديان.
إلا أن دولة القانون التي ترأس الحكومة، وإلى حد ما بعض الكتل السياسية المشاركة، بدأت تشعر بالقلق الحقيقي منذ تظاهرات جمعة الغضب في الخامس والعشرين من فبراير المنصرم. فقد بدأت التظاهرات الاحتجاجية تأخذ طابعاً أكثر تنظيماً وأكثر نضجاً، بعد أن انخرطت في صفوفها أعداد كبيرة من الفئات الواعية ذات الخبرات الطويلة في العمل الجماهيري، خاصة .
وأن هذه التظاهرات تأتي في أعقاب النجاحات التي حققتها الجماهير التونسية والمصرية، وفي أجواء ما تسعى إلى تحقيقه الجماهير الليبية واليمنية، متماهية في الفضاءات التي تعصف بمعظم العالم العربي، رغم أن شعار إسقاط النظام لم يطرح في الشارع العراقي حتى الآن.
العراق بلد ديمقراطي، كما ينص الدستور الذي أسهمت في كتابته جميع الكتل المشاركة في العملية السياسية وفي مقدمتها حزب الدعوة، جرت فيه انتخابات حرة انبثقت عنها الحكومة الحالية، رغم الكثير من الملابسات التي شابت عملية الانتخابات وعملية تشكيل الحكومة.
ومن هذا المنطلق فإن على الحكومة أن تعمل على الالتزام ببنود الدستور، وأن تحترم مضامينه كما هو الحال في الدول الديمقراطية. إلا أن هناك مؤشرات عديدة تشير إلى غير ذلك، فقد قامت الحكومة باتخاذ إجراءات قمعية مشددة، تشبه إلى حد كبير الإجراءات التي تلجأ إليها الحكومات القمعية، ضد التظاهرات السلمية التي انطلقت في جمعة الغضب، والتي تكررت في أيام الجمعة التي تلت. ولم تتوقف عند هذا الحد، فبعض الإجراءات اللاحقة التي اتخذتها الحكومة تشير إلى أنها تنوي استهداف أحزاب سياسية بعينها، لأنها استجابت لنبض الشارع ورفعت صوتها معه.
وفي سياق تعزيز الفردية في الحكم، عملت الحكومة على استصدار قرار من المحكمة الاتحادية، ألغيت بموجبه استقلالية بعض المؤسسات الهامة التي تخضع لرقابة مجلس النواب، ومن ضمنها المفوضية العليا للانتخابات والبنك المركزي وديوان الرقابة المالية وهيئة حقوق الانسان وهيئة الإعلام والاتصالات، وربطها بمجلس الوزراء، في خطوة تعزز من قبضة هذا المجلس على الشؤون العامة للبلد وتضعف من سلطة مجلس النواب. وفي هذا مخالفة صريحة لنص المادتين 102، 103 من الفصل الرابع من الدستور.
كما أن الحكومة لم تتخذ إجراءات تذكر للحد من الفساد المستشري في أجهزة الدولة، في تحدٍّ واضح لإرادة الشارع العراقي الذي حمل شعار مكافحة الفساد كأحد مطالبه الرئيسية، فالعراق يحتل المركز الرابع في الفساد وغياب الشفافية بين دول العالم، وفق التقرير السنوي الصادر عن منظمة الشفافية العالمية لعام 2010. كما عمدت مؤخراً إلى اللجوء، بطرائق غير مباشرة، إلى وسائل بعيدة عن التقاليد الديمقراطية للنيل من بعض الرموز السياسية، لإسقاطها وإقصائها عن العملية السياسية.
المالكي في مواجهة مهمة صعبة جداً، فهناك خراب كبير أحاق بالعراق وأهله، بعضه يرجع لحقبة ما قبل التاسع من إبريل وبعضه الآخر يرجع لحقبة ما بعده. وما يمتلكه لمواجهة ذلك ضئيل جداً، فالطاقم الذي يعمل معه قد فرضته صيغة المحاصصة التي أقصت الكفاءات العراقية وأفرزت تشكيلة وزارية أضعف من سابقاتها.
لذلك من المتوقع أن ترتفع حرارة الاحتجاجات والتظاهرات مع مرور الوقت، ولن تترجم الحكومة عجزها عن الوفاء بوعودها، سوى بالإمعان في المسار الانفرادي البعيد عن الممارسات الديمقراطية والبعيد عن روح الدستور، والتحول في إطار الدستور الديمقراطي إلى حكومة أقرب إلى الوضع الدكتاتوري، خاصة أنها لا تلقى معارضة تذكر من الفرقاء الآخرين المشاركين في العملية السياسية.