شهدت العاصمة الروسية موسكو الأسبوع الماضي، حدثا فريدا من نوعه ومثيرا للجدل، حيث وصلت إلى موسكو في يوم واحد أربع شخصيات شرق أوسطية غاية في الأهمية، هم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ووزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، ورئيس الاستخبارات السعودية مقرن بن عبدالعزيز، الذي جاء منفصلا عن وزير الخارجية، كل منهما على حدة. والشخصيات الأربع التقت بالقيادة الروسية في نفس اليوم، أيضا كل منهم على حدة.
وحاول الإعلاميون والمهتمون أن يعرفوا هل حدث لقاء جمع الشخصيات الأربع مع بعضها أم لا، لكن لم يصل أحد لأية معلومة مؤكدة حول هذا الشأن، مما زاد الأمر غموضا وجدلا، حيث إنه لا أحد يتصور أن يكون الأمر جاء مصادفة؛ أن تتفق زيارات هذه الشخصيات الأربع لروسيا مع بعضها في يوم واحد، وأن الأربعة التقوا رئيس الدولة ديمتري ميدفيديف في نفس اليوم، وفي نفس المكان (الكريملن) كل على حدة، ولم يحدث لقاء يجمع بينهم معا، أو حتى بين اثنين منهم، حيث جاءت الصور والأخبار الصحفية توضح أن اللقاءات معهم كانت منفردة، ولم تظهر صورة ولا خبر يجمعهم معا.
من يصدق أن رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس الحكومة الإسرائيلية متواجدان في مكان واحد في يوم واحد داخل مبنى واحد ولا يلتقيان؟ وما سبب تواجد وزير الخارجية السعودي ورئيس الاستخبارات السعودية في نفس المكان وفي نفس التوقيت؟ هل هي فوضى بروتوكولية وزيارات غير مرتبة من قبل، وغير معد لها من قبل الخارجية الروسية؟
بالقطع ليست هناك أخطاء بروتوكولية، والأمر ليس مصادفة، بل هو مرتب ومعد له مسبقا، وهذا يعني أن هناك شيئا ما جمع هذه الشخصيات معا في موسكو، وإن كانت الجهات السعودية نفت تماما وقوع أي لقاء لوزير الخارجية سعود الفيصل ورئيس الحكومة الإسرائيلية، أو حتى مع محمود عباس. وقيل: إن الوزير السعودي حمل رسالة شفهية من العاهل السعودي للقيادة الروسية، حول تدخل قوات درع الجزيرة في البحرين، أما رئيس الاستخبارات السعودية مقرن بن عبدالعزيز.
وهو شخصية مهمة ومحورية في المملكة، ولا تقل في أهميتها عن وزير الخارجية، فلم يعرف أي شيء عن زيارته ولقاءاته مع القيادة الروسية، ولم تحصل وسائل الإعلام حتى على صورة لهذه اللقاءات، لدرجة أن البعض يشكك في حدوث هذه الزيارة من أصله، لولا أن كتبت عنها وسائل الإعلام الأجنبية، وليست الروسية أو السعودية.
ولكن، حتى لو صدقنا أنه لم تحدث لقاءات تجمع الضيوف الأربعة أو بعضهم مع بعض، وهو ما لا يصدقه الكثيرون، فإن هناك شيئا ما غامضا لم يعلن عنه حتى الآن، وربما لن يعلن عنه في المستقبل القريب، خاصة وأن الزيارات تأتي في توقيت تشتعل فيه الأحداث في الشرق الأوسط بشكل متصاعد وغير مسبوق، والموقف الروسي من كافة ما يحدث في الشرق الأوسط مختلف إلى حد كبير مع مواقف الأوروبيين وواشنطن.
ولكن فعالية الدور الروسي ليست بقوة فعالية الأطراف الأخرى، إلا إذا كان الأمر يتعلق بإيران، حيث يرى البعض أن السعودية ودول الخليج العربي عادة ما تلجأ لروسيا عندما يتعلق الأمر بإيران مباشرة، وربما تكون زيارات السعوديين لموسكو متعلقة بهذا الأمر، للاستعانة بروسيا في الحد من تدخلات إيران في البحرين ودول الجوار.
لقد كان التركيز الإعلامي في هذا اليوم على زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بينما أحيطت تفاصيل لقاءات القيادة الروسية بالشخصيات العربية الثلاث؛ أبو مازن وسعود الفيصل ومقرن بن عبدالعزيز، بما يشبه التعتيم الإعلامي، وهذا ما جعل البعض يذهب إلى التأكيد على حدوث لقاءات سرية في موسكو، على الأقل بين رئيس الحكومة الإسرائيلية ورئيس السلطة الفلسطينية، وإن كانت الصحف الإسرائيلية وبعض الصحف الروسية الموالية للصحف الإسرائيلية، قد تعمدت أن توحي في حديثها حول الخبر عن وقوع لقاءات بين المسؤول الإسرائيلي والمسؤولين السعوديين، ولكن هذا أمر لم يتأكد واحتمالاته ضعيفة إلى حد كبير.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وصل إلى موسكو في اليوم التالي مباشرة لحادث الانفجار الذي وقع في محطة أوتوبيس وسط القدس، والذي أسفر عن مقتل امرأة وإصابة 38 شخصا بجروح. وهذا الأمر أثار الدهشة والجدل أيضا، أن يترك رئيس الوزراء الإسرائيلي بلاده في هذه الظروف الصعبة.
وبعد ساعات من هذا الحادث المروع ويتوجه إلى موسكو! وقد عبر الرئيس الروسي ميدفيديف لنتنياهو عن تعازيه ومواساته لضحايا الحادث، وعبر له في نفس الوقت عن إعجابه وتقديره له لتصميمه على الحضور لموسكو رغم هذه الظروف الصعبة.
لاشك أن روسيا تسعى لتنشيط جهودها وتفعيل دورها في الشرق الأوسط، ولكن هناك عوائق كثيرة تحول دون تحقيق ذلك على الوجه الأكمل. وليست المشكلة في غياب روسيا عن المنطقة لسنوات طويلة، في الوقت الذي زاد فيه نفوذ واشنطن وامتلاكها لأوراق اللعبة هناك منذ سنوات طويلة مضت، بل المشكلة الرئيسية في أن الأطراف في المنطقة لا تتعامل مع روسيا كما تتعامل مع الولايات المتحدة، حيث إن كلا منهم يريد من موسكو أن تعطيه هو ولا تعطي الآخر، وأن تدعمه هو ضد الآخر، وهذا ما لا تعطيه لهم واشنطن، ولا تريده موسكو، ولن تسمح به، ولهذا غالبا ما نجد علاقات دول المنطقة مع روسيا يشوبها الغموض والسرية.