أتيحت لي الفرصة للمشاركة في المؤتمر المهم الذي عقده المركز التركي للدراسات الآسيوية، في الفترة ما بين ‬30 و‬31 مارس ‬2011 تحت عنوان: «الدبلوماسية الشعبية». ضم المؤتمر نخبة واسعة من الباحثين العرب والآسيويين، الذين عالجوا هذا الموضوع من وجهات نظر متعددة، منها التاريخية، والسياسية، والفلسفية، والاجتماعية، والاقتصادية، والإعلامية، والأدبية، وغيرها.

وكانت فضيحة تسريب وثائق ويكيليكس التي كشفت أسرار الدبلوماسية الأميركية، ومعها المحادثات الشخصية التي دارت بين زعماء محليين ودبلوماسيين أميركيين، حاضرة بقوة في النقاشات التي دارت في جلسات المؤتمر. فبعد الكشف عن التقارير الرسمية المرسلة حديثا إلى وزارة الخارجية الأميركية، تعثر عمل الدبلوماسية الرسمية، الأميركية وغير الأميركية. وطرحت بدائل كثيرة تكمل دور السفارات الرسمية، من خلال تشجيع المنظمات الشعبية لكي تلعب دورا متزايدا في المرحلة الراهنة.

تتمتع قنوات التواصل الشعبي بمساحة واسعة من حرية الحركة، وتساهم في تعزيز التعاون الإيجابي بين الأفراد والجماعات، وإقامة علاقات حسن الجوار مع الاتحادات والمؤسسات الوطنية والقومية غير الرسمية في الدول الإقليمية، وتساعد على توسيع دائرة التعاون بين المنظمات الشعبية التي تمتلك وعيا براغماتيا يؤهلها للدفاع عن مصالح الشعوب الأساسية. فهي تتعاون في ما بينها بشكل وثيق، من خلال المنظمات غير الحكومية التي تشكل قنوات تواصل واسعة بين جميع الشعوب، القريبة منها والبعيدة. وتعمل على تحقيق نوع من التفاعل الثقافي يساعد على التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة، وفي الحفاظ على السلم العالمي. وغالبا ما تلعب المنظمات الشعبية دور التواصل الإيجابي بين الشعوب، خاصة في ظروف الأزمات الدبلوماسية التي تصل أحيانا إلى مستوى طرد أو سحب السفراء والدبلوماسيين.

تصعب الإحاطة بالمجالات الواسعة لعمل المنظمات غير الرسمية التي تمارس العمل في الأوساط الشعبية، وهي تنتشر عبر منظمات المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، ومنها منظمات تعمل بصورة مرحلية، أو عبر نشاطات فردية. فهناك الأحزاب السياسية بتسمياتها واتجاهاتها الفكرية المتنوعة، وتوجهاتها الوطنية والقومية والأممية. بالإضافة إلى النقابات العمالية، والاتحادات المهنية التي تجمع منظمات مهنية محددة كالأطباء، والصيادلة، والصحافيين، والمهندسين، والمحامين وغيرهم.

يتضمن البعد الثقافي لعمل القنوات الشعبية، جميع نواحي الحياة الذهنية والفنية والأدبية، ومختلف شؤون الإنتاج الثقافي والفني والإبداعي. وهو يعبر عن حركية الحياة الثقافية بأبعادها الشمولية، على مختلف المستويات الوطنية والقومية والإنسانية. وقد باتت اليوم أكثر اتساعا في عصر العولمة وثورات العلم والتكنولوجيا، وتهدف إلى إحداث تفاعل إيجابي بين الشعوب، وتصويب مسارات التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.

حققت قنوات التواصل الشعبية، من خلال قنواتها الثقافية ومنظماتها الاجتماعية المتعددة، نجاحات ملحوظة في تعزيز المشاركة الشعبية في إطارها الشامل. ونسقت بشكل عقلاني بين مختلف القوى البشرية الداعية إلى تطوير العلاقات الودية بين الشعوب، على قاعدة توسيع آفاق المشاركة من دائرة الدبلوماسية الرسمية الضيقة إلى الأطر الشعبية الواسعة، بأبعادها الثقافية والفنية والاقتصادية والاجتماعية المتنوعة. وتعتبر قنوات التواصل الشعبية قيمة ثقافية وإنسانية، مضافة إلى السفارات بصفتها الممثل الأساسي للدبلوماسية الرسمية. فهي تمدها بنشاطات لا حصر لها تقوم بها منظمات المجتمع الأهلي والمجتمع المدني. وتعبر بصدقية كبيرة عن القضايا التي تهم مختلف الفئات الشعبية، بمعزل عن انتمائها السياسي، أو العرقي، أو الطائفي، أو القبلي، أو المناطقي وغيرها.

لقد تبلورت أفكار مهمة حول مسيرة التواصل بين الشعوب، قبل وبعد قيام الدولة العصرية، وآفاق عملها في المرحلة الراهنة، وفق الحقائق العلمية التالية:

‬1- أن القنوات الشعبية سابقة على الدبلوماسية الرسمية، دون أن تكون لها تسميات واضحة تدل عليها. فكان التجار، والرحالة، وأصحاب الرساميل، والصناعيون، والجغرافيون، والمثقفون، والفنانون، والمبعوثون الرسميون، والدعاة الدينيون وغيرهم، رسل تعزيز العلاقات الشعبية بامتياز. وقد تركوا مذكرات غنية، وكتابات علمية، وانطباعات ومراسلات شخصية، وغيرها من قنوات التواصل الثقافي بين الحكام والشعوب عبر القارات الخمس.

‬2- كان لرواد قنوات التواصل الشعبي الدور الأساسي في التمهيد للعمل الدبلوماسي الرسمي، وتأسيس ركائز سياسية وإدارية ثابتة، ما زالت مستمرة في مجال العلاقات السياسية وحماية المصالح الاقتصادية والثقافية بين الشعوب المختلفة، ومعالجة الخلافات الطارئة لمنع تفاقمها والحد من تأثيرها على تلك العلاقات والمصالح.

‬3- كانت وظيفة الدبلوماسية الرسمية سياسية وإدارية وعسكرية بالدرجة الأولى، وكانت تقتصر على علاقات رسمية وفق قنوات محددة ومتفق عليها في نصوص المراسلات الدبلوماسية. أما القنوات الشعبية فكانت غير مقيدة أو محددة بزمان أو مكان، وكانت تستمد شرعيتها من قدرة العاملين فيها على بناء علاقات شعبية مباشرة، بمعزل عن القنوات الرسمية، وليست لها أهداف عسكرية من أي نوع كان. وما زالت ترفض استعمار شعب لآخر، أو محاولة السيطرة على مقدراته وموارده الطبيعية، أو التحكم في مصير أبنائه ومنعهم من تقرير مصيرهم بإرادتهم الحرة، ودون أي تدخل خارجي في شؤونهم الداخلية.

‬4- تتميز قنوات التواصل الشعبي عن الدبلوماسية الرسمية، بأنها تبحث عن نقاط التعاون الإيجابي بين الشعوب عبر وسائل الإعلام المختلفة، وبالتعاون مع منظمات غير حكومية. وتنبه الرأي العام المحلي إلى أهمية العلاقات المباشرة بين الشعوب، عبر قنوات تواصل فاعلة في جميع المدن والمناطق، وعلى مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. علما أنه لم توجه أي انتقادات للدبلوماسية الشعبية، طالما أنها لا تعيق القنوات الرسمية في عملها، ولا تهدد الاستقرار الداخلي، ولا توتر العلاقات الدولية. وتعمل المنظمات الشعبية على دفع شعوبها إلى تحمل كامل مسؤولياتها في حماية مصالحها المشتركة.

في عصر ثورات العلم والتواصل، لا بد من صيانة الاستقرار الداخلي، والسلم العالمي. فجميع الشعوب تشعر اليوم بالقلق على المصير المشترك من جراء تنامي العنف، والجريمة، والمخدرات، ومخاطر السلاح النووي، وتلوث البيئة، وهيمنة الأقوياء على الضعفاء، وانتشار البطالة، والأمية، والتصحر، والفقر، والتطرف الديني والعرقي والقبلي. وقد فشلت الدبلوماسية الرسمية في الحد منها، لا بل ساهمت أحيانا في تفجير حروب إقليمية ودولية. فبرزت آفاق واسعة لعمل قنوات التواصل الشعبي، لكي تثبت قدرتها على مواجهة تلك الآفات، وتعزيز وحدة الشعوب في إطار نظام عالمي تسوده العدالة، والاحترام المتبادل، والقيم الأخلاقية، والسعي لبناء عولمة أكثر إنسانية.