في عصر العولمة، تطل علينا مئات الفضائيات التي أصبح الإعلان معلما بارزا من معالمها وأحد أسباب وجودها وبقائها، للحد الذي أصبحت هناك قنوات متخصصة في تقديم الإعلانات، في ظل منافسة لا ترحم وصراع محموم للوصول إلى حافظة نقود المشاهد، سواء كان ذلك عبر خطاب عقلاني أو عاطفي أو الجمع بين الاثنين، وإذا لم يكن في حاجة إلى ما يتم تقديمه إليه من سلع ومنتجات وأفكار، فلا بأس من خلق هذه الحاجة وحاجات أخرى، والسعي إلى تلبيتها وفقا لما سيتم طرحه مستقبلا.. المهم أن يتحقق الهدف النهائي.

من هنا صال الإعلان وجال، ينشر المعرفة ويقدم المعلومة ويعرّف بالخدمة والسلع المختلفة أحيانا، ويتجاوز ذلك أحيانا أخرى ليقتحم الأعمال الدرامية ويمزقها ويفقدها الكثير من ضرورات الحبكة الفنية، ثم يتحول ليلتهم الجانب التحريري في الصحفية ويطغى عليه، ويتعدى على حق القارئ في المعرفة، بل ويقدم في بعض الصحف وكأنه جزء من المادة التحريرية، وهذا نوع من التدليس المرفوض. إلا أن تغول الإعلان لم يتوقف عند هذا الحد، بل تعدى ذلك للدرجة التي تجعلنا نتحدث عن حدود ما يقوم الإعلان بالترويج له، وكيف يتم هذا الترويج، خاصة أن الرسالة الإعلانية هي رسالة قصيرة ومركزة يسهل تذكرها، سواء عند الكبار أو الصغار، بل هناك بعض الأطفال يرددون المضمون الإعلاني الذي يطاردنا بين لحظة وأخرى، ويصل الحال أحيانا أن يعاد مرتين متتالين في نفس اللحظة! هذه الملاحقة لا حول لك في تجنبها، لأنها تأتي في سياقات مختلفة تصل أحيانا إلى حد الاقتحام وفرض الأمر الواقع.

وإذا كان لا فكاك من هذا الطوفان الإعلاني الذي كتب علينا أن نعيشه، سواء رضينا أم أبينا، فلا أقل من محاولة النظر في المضامين المقدمة من خلاله، لخطورتها وسهولة ترسيخها في عقول المشاهدين عبر التكرار، كما أننا ننتبه في أحيانا كثيرة رقابيا أو مجتمعيا للأعمال الفنية أو الأدبية أو الدرامية، ولكننا لا نعطي نفس الأهمية للمضامين الإعلانية، رغم أنها في تقديري لا تقل في تأثيرها عن غيرها.

أقول هذا حيث استوقفني وأنا في طريقي للعمل صباحا، إعلان سمعته عبر إذاعة محلية يروج لأحد المعاهد المعنية بتعليم اللغة الإنجليزية، ولا بأس في ذلك إلا أن مضمون الإعلان أوضح أن التي تعلمت اللغة الإنجليزية قد ترقت في عملها بشكل سريع دون غيرها، وكأن الترقي الوظيفي موقوف فقط على من يجيدون اللغة الإنجليزية، دون النظر إلى كفاءاتهم وقدراتهم الوظيفية الأخرى، ومن لم تتح له الفرصة لذلك أو من اكتفت بلغتها العربية الأم، فعليها أن تقنع ببقائها في الصفوف الخلفية إن بقيت! وهذا شأنه إيجاد حالة من الجفوة بيننا وبين لغتنا التي لا تساعدنا، كما تردد الإعلانات، على اعتلاء المناصب حتى وإن كنا أكفاء لذلك.

ولم أتعجب كثيرا بعد سماع هذا الإعلان، الذي فتح أمامي صورا متعددة لمشهد بائس مر كشريط سينمائي استعرضت من خلاله حال الإعلان، ليس في وسائل إعلامنا فقط، ولكن أيضا في وسائل الإعلام الغربية التي تنقل عنها أو تقلدها وسائل الإعلام العربية بالتبعية، سواء بإذاعة نفس الإعلان ولكن بأصوات عربية «الدبلجة»، أو بتقليد نفس طريقة إخراجه بشخوص عربية، خاصة أنه في عصر الشركات متعددة الجنسيات ليست هنالك سلعة محلية، فكل المنتجات تدور حول العالم بسرعة تسبق سرعة الإعلان عنها عبر الفضائيات. وتذكرت الفيلم الإيطالي الذي صوره مخرج إعلانات إيطالي، سافر إلى القدس ينشد السلوى بعد أن فقد عمله وزوجته، وإذا به وهو هائم على وجهه في شوارع القدس، حسب ما أذيع، يقابل السيد المسيح عليه السلام، فيعطي له الشاب مشروبا غازيا، فيثمن السيد المسيح هذا المشروب قائلا «يا لها من هدية ثمينة». قلت عندها؛ كيف وصل الحال بالغرب لامتهان كل مقدس، باسم الفن؟ وما هذا العبث الذي وصلوا إليه؟!

وقد وجدت أن بعض أصحاب الفكر عندنا لا يتحرجون كذلك من استخدام المقدس لترويج بضاعتهم، حيث وجدت إحدى الفضائيات العربية ذات الصبغة الملتزمة ظاهريا، تلعب على وتر الدين عند الترويج لنوع من عسل النحل لتخبر مشاهديها أن هذا هو العسل الذي شرب منه رسول الله صلي الله عليه وسلم! فقلت بأي منطق يتم إقحام اسم الرسول الكريم في الإعلانات؟ ومن المسؤول عن تمرير هذا المضمون المعيب الذي لا يقدس إلا المال والرغبة في الحصول عليه، حتى لو ضاعت كل ثوابتنا؟ ومن أعلم ذاك المدعي أن رسول الله قد شرب من هذا العسل؟ أليس ذلك تدليسا وافتراء وتجاوزا يجب منعه، وخلط لا يجوز؟!

وهذا الطفل الذي يخرج علينا في فضائية أخرى هزيل الجسد حليق الرأس شاحب البشرة، ليخبرنا أنه مريض بالسرطان ويطلب من المشاهدين التبرع لعلاجه من هذا المرض القاسي، ورغم عظم الألم الذي ينتابك لمشاهدته إلا انك أمام أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن يكون هذا الطفل مريضا حقا، وإما أن يكون غير مريض ويستخدم «كنموذج إعلاني». فإذا كانت الأولي ويستحق العلاج، فمن المسؤول عن وصول هذا الطفل المريض ليخرج ويستجدي الآخرين لعلاجه؟ وأين هي المؤسسات الرسمية المنوط بها القيام بهذا الواجب كحق أصيل من حقوق أبنائها، دون الحاجة إلى إراقة ماء وجوههم؟ وإما أن يكون غير مريض، وهنا فنحن نلقن أطفالنا الكذب منذ نعومة أظفارهم، ونستخدمهم كـ«دروع بشرية» لنشر ثقافة الاستجداء، وفي الحالتين نرتكب خطأ فادحا.

ولم يتوقف الأمر عند حد المؤسسات التجارية التي تسعى إلى تسويق منتجاتها، وإن تعدت القواعد التي يجب اتباعها، فهناك مؤسسات رسمية سارت على نفس الدرب وزادت. فتلك وزارة السياحة في إحدى الدول العربية تبث إعلانا للترويج السياحي أثار الرأي العالم الداخلي لديها، لاستخدامه المرأة بصورة مهينة، حيث يدور حول سؤال يوجهه الأصدقاء لسائح أوروبي عند عودته إلى بلده عن رحلته التي قضاها في الصيف في ذاك البلد، كيف كانت؟ فيرجع بذاكرته إلى الوراء «فلاش باك» ليتذكر أجساد الفتيات على شاطئ البحر عند غروب الشمس وهن يتراقصن، ويتمنى العودة مرة أخرى.. والقائمة طويلة.

إنني لا أنكر أهمية وجود الإعلان، إلا أن ذلك لا يعني التفلت دون ضوابط، لكن على الجانب الآخر لا بد من النظر بعين الاعتبار ماذا يقدم، وطريقة تقديمه، حتى لا يلحق الأذى الأخلاقي بأبنائنا وشبابنا، وأن يقدم في إطار من الضوابط الأخلاقية والمهنية.. فللإعلان أصول.