ُعيد بدء الحرب العراقية ـ الإيرانية عام 1980، نشطت المعارضة العراقية للنظام المركزي السابق الحاكم في بغداد. اتخذت المعارضة أشكالاً إعلامية ومدنية وسياسية وعسكرية. لم تُبق المعارضة السابقة، وحالياً الحاكمة، مجالاً إلا وأوسعت فيه النظام الحاكم نقداً واحتجاجاً ومعارضة قوية. وصلت الأمور إلى درجة إصدار فتاوى بإهدار دماء من لهم علاقة بالنظام. حقيقة هذه سِمَة التنافس السياسي المحتدم، مضافة إليها «النكهة» الدينية والمذهبية، وبدرجة أقل العرقية.
عام 1990 استغلت المعارضة العراقية احتلال النظام العراقي للكويت. رصّت صفوفها مع القوى الخارجية المعادية، لها وللنظام. أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً تضمّن مادة تخضع العراق لحصار عسكري اقتصادي تقني، وحتى ثقافي. فُرضت مناطق حظر جوي فوق شمال وجنوب العراق. وُضِعَ حجر الأساس لتقسيم العراق الحديث وفق خطوط جيوـ إثنية. احتفت المعارضة العراقية في حينه بالقرار والقرارات والإجراءات الأخرى المضادة.
تعاونت القوى الداخلية والخارجية لتحجيم النظام، ونجحت إلى حد بعيد. لم يبق تحت سيطرة النظام سوى القصر الجمهوري، أو ما تُعرف الآن بالمنطقة الخضراء. باتت هنالك دائرة ضيقة حول النظام من المخلصين والمنتفعين، إضافة إلى شريحة من المتخوفين من التغيير على طريقة المعارضة العراقية التقليدية. طريقة تعتمد الوعيد والتهديد، والضرب بالنار والحديد.
عام 2003 أقدمت الإدارة الأميركية على خطوة فريدة من نوعها. قادت تحالفاً دولياً واحتلت دولة نامية، منهكة بالحصار والحروب والنزاعات الداخلية والخارجية؛ العراق. استغلت قوى المعارضة إسقاط النظام السياسي، وحلت محله تحت إدارة مباشرة من قوات الاحتلال الأميركية الدولية. كان من المتوقع أن يكون جل ملفات وقضايا العراق العالقة، في طريقها إلى التلاشي والحل والزوال. بالذات والتحديد؛ تُحَلُّ قضايا حقوق الإنسان، والبناء والتعمير، والاقتصاد، والعلاقات الخارجية، والمصالحة الوطنية.
جرت الرياح بما لا تشتهي السفن. أقامت الإدارة الأميركية نظاماً حمل بذور فنائه بين ثناياه. تناوبت على قمة النظام الجديد قيادات طائفية عرقية ومذهبية متطرفة، بدءاً بمجلس الحكم وانتهاءً بدولة القانون. هذه قيادات تود العودة بالتاريخ إلى مئات وآلاف السنين. تختزل حقوق وشؤون وقضايا قطاعات واسعة من البشر. تُصدر فتاوى تستبيح حقوق كتل ديمغرافية واسعة. مُلئت الساحة العراقية بالدماء والفوضى، والفساد المبني على المحاباة والمحسوبية. تواجه خطة فرض القانون الحكومية فشلاً تاماً، بعد مرور سنين على الشروع في تطبيقها.
اختراقات حقوق الإنسان وتعثّر القضايا الوطنية الداخلية والجوار والخارجية، باتت حديث الساعة في كل وسائل الإعلام. كل الدعاية السابقة المزعومة على النظام السابق، باتت تَلصق بجبين القيادة الجديدة، وبشكل مضاعف. الأنباء عن المعتقلين والتعذيب والسجون السرية وانتهاكات حقوق الإنسان، هي جل ما يخرج من العراق الجديد، بعد الاحتلال. النظام الجديد محاصَر وعاجز عن الدخول في تفاصيل الحياة والبدء في مصالحة وطنية، تليها مرحلة من البناء والتعمير.
يقال إنه إذا ما أردت انتقاد أحد، فاختر كلمات سهلة ولطيفة، فقد يأتي يوم تُضطر لابتلاع تلك الكلمات. المعارضة العراقية سابقاً والحاكمة حالياً، تتجرع مر انتقاداتها السابقة للنظام السابق. يظهر ذلك في مجالات التعذيب في السجون، وخدمات المواطنين، والإخفاقات السياسية والأمنية والاقتصادية... وغير ذلك. لم يبق لمجلس الرئاسة والحكومة والبرلمان العراقي من شيء خارج المنطقة الخضراء، المحمية من قوة الاحتلال والقوات الموالية.
القيادة الحالية عاجزة حتى عن إكمال تشكيل الحكومة، بعد حوالي السنة على بدء تشكيلها. لا تمتلك الطبقة السياسية، الشَّجاعة لمواجهة الواقع المأزوم المتراكم. على قادة الطبقة السياسية أن يراجعوا أنفسهم جيداً، بصراحة ووضوح، وما قاموا ويودون القيام به. قد ينجحون ويضعون أنفسهم على أعتاب مرحلة جديدة للبناء وإعادة البناء، يوافق عليها الخصوم قبل الأصدقاء.
في المقابل، قد يتطلب الأمر منهم الخروج من عملية سياسية بتراء لا يأتي منها إلا الويلات والكوارث، داخل وخارج العراق، الآن ومستقبلاً.