من الملاحظ أن مصطلح «العمالة» هو من المصطلحات المتداولة في السجالات الأيديولوجية والخطابات السياسية، سيما عند أصحاب المشاريع الثورية والتحررية، ممن يمارسون الوصاية على شؤون الأمة وقضاياها المصيرية.

وإذا كانت الثورة هي نقيض ما تعلنه، أي لا تحرر، لأن منطقها يقوم على خلق أعداء لمحاربتهم في الداخل والخارج، فإن المثقفين والدعاة، ليسوا كما يقدمون أنفسهم عشاق حرية أو طلاب عدالة أو شهوداً على الحقيقة، وإلا لما كانت الأوضاع على ما هي عليه، بعد كل هذه النضالات. فما يتقنونه بتهويماتهم الأيديولوجية وتشبيحاتهم الفضالية وأمراضهم النرجسية، هو نفي الواقع أو إقصاء الآخر إلى خارج فلك الحقيقة والمشروعية، لكي تصح شعاراتهم ومقولاتهم.

من هنا فهم يصدرون عن مفهوم غيبي، مثالي، ساذج، للحقيقة، لا يترجم إلا استبداداً وهيمنة، بقدر ما يعمل أصحابه بمنطق القبض والتحكّم والتسلط. هذه حال من يحدثنا عن المثقّف وعلاقته بالحقيقة والسلطة، لكي يمارس جهله المركب بالمثقف وبالحقيقة والسلطة. لأن الحقيقة ليست ما نقبض عليه ونتماهى معه، بقدر ما هي قدرتنا على خلق الوقائع التي تسهم في تغيير خريطة المشهد وعلاقات القوة أو نظام القيم، معرفياً أو سياسياً أو أخلاقياً... بهذا المعنى كل واحد يصنع حقيقته ويمارس سلطته وفاعليته، في ما ينتجه من المعارف أو ينتهجه من السياسات أو يضعه من الخطط والاستراتيجيات.

لنعترف؛ لا وجود لقدس الأقداس على هذه الأرض. فما من معرفة إلا وهي نسبية، وما من علاقة تخلو من طابعها السلطوي، وما من سلطة إلا وتمارس قدراً من الاستبعاد والإقصاء قلّ أو كثر. هذا عند من لا يتخلّى عن عمل الفهم وسلاح النقد، فمن غير فهم تسيطر الثرثرة والشعوذة أو العماء والإرهاب.

على هذا النحو أتعامل مع الأشياء. وللمثال أذكر أنني، فيما كنت أخرج ذات يوم من منزلي، قبل ربع قرن، وجدت جاري في الشارع يتأبط سلاحه قائلاً لي: هذا السلاح من أجل محاربة «الاستكبار». ولكني فاجأته بقولي: ها أنت أصبحت مستكبراً بالنسبة لي. وبالطبع استغرب ما نطقت به، إذ هو يعتقد أنه يدافع عن الناس وعني. طبعاً هذا هو المعلن في موقفه، ولكن المسكوت عنه هو أنه، لكونه يحمل سلاحاً، أصبح يملك الإمكان لاستضعافي والتسلط على الفضاء العام.

ولكن مثل هذا الموقف النقدي يلقى المعارضة من جانب الدعاة والمثقفين الذين يفكرون ويعملون بعقلية التهمة والإدانة، كما هي حال المثقف القومي الذي يتهم من يعارضونه بالعمالة والخيانة، وكما هي حال الداعية الديني الذي يتهم من يخالفه الرأي بالكفر والردة.

ولكن ما هي الحصيلة، بعد عقود من إشهار سيف التخوين أو التكفير؟! لقد بات العرب منقسمين إلى قسمين، يتهمون بعضهم البعض بالعمالة والخيانة، بقدر ما أصبحوا أعداء بعضهم. ومن يستمع إلى المناظرات، من على الشاشات، بين الفريقين، أعني بين المعسكرين المتضادين، يجد أن اللهجة العنيفة التي يتحدث بها كل فريق، في مواجهة خصومه، الذين هم شركاؤه في الوطن أو إخوته في الدين، هي أعنف بكثير من اللهجة التي يتحدث بها عن إسرائيل. وتلك هي حصيلة ممارسة الوصاية على الأمة، من قبل فريق يدعي احتكار المصداقية والمشروعية، للتعامل مع الفريق الآخر بلغة التهمة والإدانة: هدم جسور التواصل بين عناصر المجتمع وفئاته. وذلك مدعاة لإعادة النظر في المفاهيم والشعارات التي نتمترس وراءها، لنرشق بعضنا بعضاً، بالتهم التي تغذي الفرقة وتوسع الشقة وتشتت القوة.

والسؤال الذي يملي نفسه هنا: ما جدوى الشعارات والسياسات، إذا كانت سوف تخلق العداوة بين أبناء البلد الواحد أو القضية الواحدة، كما في العراق وفي لبنان أو فلسطين؟

وسأتوقف هنا عند مفهوم العمالة؛ الذي هو كغيره من المصطلحات متعدد المعنى، واسع الدلالة.

وبالعودة إلى «لسان العرب»، نجد أن العمالة، المشتقة أصلاً من كلمة «عمل» هي «أجر ما عُمل». ومما ورد أيضاً في «اللسان» ويلفت النظر، هو التمييز بين العمل والاعتمال، إذ العمل للغير والاعتمال للنفس.

لا شك أن كلمة «عمالة» قد زُحزحت عن معناها في اللغة الحديثة، لترجمة المصطلحات الأجنبية. من هنا أصبحت تطلق على «اليد العاملة»، كأن يُقال مثلاً ازدياد العمالة الأجنبية في بلدان الخليج. أما لفظ «عميل» فلم يرد في «لسان العرب»، وإنما هو اشتقاق حديث للتعبير عن المصطلح الأجنبي (Agent). ولفظ «عميل» يستخدم بغير معنى أو غير مجال، منها المجال الاقتصادي، كأن يُقال عميل تجاري أو بنكي. بل إن لفظ عميل (Agent) يستخدم كمرادف للفظ فاعل (Acteur) في العلوم الاجتماعية.

أما في العربية، فإن الغالب على اللفظ هو استخدامه بالمعنى الأمني والمخابراتي. والعميل هو، بهذا المعنى، من يعمل أو يتجسس لمصلحة دولة أخرى، عدوة، أو غير صديقة، أو أي دولة أخرى، وعلى نحو يعود بالضرر على بلده.

بالطبع، العمالة بهذا المعنى التجسسي أو التآمري، هي التي تعد خيانة ويحاسب عليها القانون في جميع البلدان على السواء. ولكن، يمكن تجاوز هذا المعنى، للكلام على عمالة بالمعنى السياسي، كما تمارسها أقلية أو مجموعة أو طائفة ترتبط ببلد آخر رباط تحالف أو ولاء، كما هي علاقة القبارصة الأتراك مع تركيا أو صرب البوسنة مع دولة الصرب. وهذا ما يحصل في لبنان، حيث نجد أحزاباً وطوائف ومجموعات ترتبط بدول عربية أو إقليمية أو أجنبية، ارتباطات عقائدية وسياسية واستراتيجية، وربما أمنية ومخابراتية.

أخيراً، هناك عمالة بالمعنى الثقافي والأيديولوجي، قوامها الالتزام بعقيدة أو فلسفة من غير ارتباطات سياسية أو أمنية أو مالية. هذا شأن الذي يلتزم بالماركسية أو العلمانية أو الإسلام أو المسيحية أو البوذية... وهذا أيضاً شأن من يدافع عن الثورة الاشتراكية أو الليبرالية الرأسمالية، أو أي مذهب آخر يمكن أن ينشأ عليه أو يقتنع به. بهذا المعنى يصبح الواحد عميلاً لعقله، أكثر مما هو عميل لشخص أو نظام أو سلطة أو دولة.

وفي الحالة القصوى، وبالعودة إلى التمييز بين الاستعمال والاعتمال، فالعميل هو من يكون على صورة غيره وشاكلته، أما المرء فهو من لا يستعمله أحد غيره، بل يتصرف كفاعل يجتهد في صنع نفسه وتعهدها وبنائها، بحيث يستعصي على القولبة والتطويع من جانب الأنساق العقائدية والأيديولوجية. ومن هذا شأنه، فإنه يحتفظ باستقلاليته إزاء ما يقال ويعلن من لدن غيره، فلا يكون مجرد عميل هو صنيعة غيره أو صوت سيده.

 

كاتب ومفكر لبناني