تمر دولة الإمارات هذه الأيام بلحظة استثنائية في تاريخها. فبالإضافة إلى أنها على بعد مرمى البصر من احتفاليتها باليوبيل الذهبي لقيامها، فهي تشهد حالة من التجدد والترقب والاستعداد والنشاط غير المسبوق، ينعكس على تحركاتها الإقليمية والدولية، وسوف ينعكس على المجتمع ككل. وهذا الحراك له أربعة ملامح رئيسية ظاهرة على الساحة الإماراتية هذه الأيام، وجميعها تبشر بحالة جديدة ومتميزة للإمارات، سوف تنعكس إيجاباً على وضعها في الداخل والخارج.
الملمح الأول؛ هو حالة التفاؤل السائدة حيال انفراج وشيك للترجرج الاقتصادي الذي شهده الاقتصاد منذ الأزمة الاقتصادية العالمية، وشيوع حالة من التفاؤل بمستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وأكثر ازدهاراً، ينعكس على وضع الإمارات داخلياً وإقليمياً ودولياً. والملمح الثاني؛ هو ظهور حالة من الاتجاه الإيجابي نحو تقوية المؤسسات الاتحادية، ودفعها لكي تلعب دورا أكثر تأثيرا عن ذي قبل، وهو مطلب شعبي وقومي من الدرجة الأولى، وسوف يصب في مصلحة الإمارات وأمنها واستقرارها. والملمح الثالث؛ هو حالة الترقب لما سوف تسفر عنه الأوضاع السياسية الإقليمية والعربية؛ لما في ذلك من انعكاسات مباشرة على مجمل الأوضاع في الإمارات سياسياً واقتصادياً وأمنياً. والملمح الرابع والأخير؛ هو ازدياد حالة الوعي الشعبي تجاه قضايا المجتمع المدنية والبيئية وقضايا المشاركة العامة.
أربعة ملامح رئيسية تسيطر الآن على الساحة الإماراتية، وتبشر بوضع جديد سوف يكون له تأثير كبير على مجرى الأحداث في الإمارات في السنوات القادمة.
الملمح الأول، على الرغم من أنه مرتبط بالتطورات الاقتصادية العالمية واتجاهات السوق، إلا أن تحولاته الإيجابية السريعة في الإمارات وارتفاع أسعار البترول وتوقعات التعافي الاقتصادي المبكر، كلها مؤشرات تصب في خانة الاستقرار الاقتصادي الداخلي، وسوف تؤدي إلى تعزيز اقتصاد الإمارات متعدد الجوانب والقائم على قطاعات حيوية، كقطاع العقار والصناعة والسياحة والاستثمارات الأجنبية الداخلية والاستثمارات الخارجية للإمارات. هذا التعافي كانت له مؤشرات واضحة ظهرت جليا في بدء استرداد سوق الأسهم لنشاطه، وبدء استعادة سوق العقار لعافيته، واستعادة ثقة المستهلك وانخفاض حجم التضخم، وغيرها من المؤشرات الإيجابية التي تبث جرعة قوية من التفاؤل في انتعاش سريع لاقتصاد الإمارات، يبشر ببدء مرحلة جديدة من تاريخها، مبنية على التخطيط المسبق والسليم. حالة التفاؤل الاقتصادي هذه، لها مردود قوي على مجمل الأوضاع العامة، وعلى مكانة الإمارات على الساحتين الإقليمية والدولية.
الملمح الثاني مرتبط برغبة شعبية قديمة ـ جديدة، قابلتها إجراءات رسمية واضحة تمثلت في سرعة ردة الفعل لتقوية المؤسسات الاتحادية وتعزيز دورها الاتحادي، بعد أن تعالت الصيحات قبل فترة من أن دور بعض المؤسسات الاتحادية يكاد يبهت لصالح المؤسسات الحكومية المحلية. وكانت الظروف التي مرت بها المنطقة ككل، مدعاة لتعزيز الدور الاتحادي، وهو قضية مهمة لاتحاد أكثر رسوخاً وثباتاً. وظهرت هذه النزعة واضحة من خلال زيارات لمسؤولين كبار إلى الإمارات الصغيرة، وهي زيارات أرسلت رسائل مزدوجة إلى شعب الإمارات. الرسالة الأولى بأن الإمارات هي دولة اتحادية تضمهم جميعاً، ويتشارك الجميع في هموم مجتمعية واحدة ومصير واحد، وأنه لا فرق بين مواطن وآخر في حقوق المواطنة. والثانية هي تأكيد للأواصر التي تضم الإمارات منذ القدم، والقائمة على اللحمة الواحدة والتاريخ، والمصير المشترك. هذه الرسائل ساهمت في بعث حالة من الاطمئنان في نفوس أهل الإمارات، بأن الاتحاد بخير، وبأن رغباتهم الشعبية في أن يروا الاتحاد أقوى وأنضج، هي في صميم تفكير القيادة السياسية.
الملمح الثالث هو حالة الترقب لما سوف تسفر عنه الأوضاع العربية، لما في ذلك من تأثير على أمنها واستقرارها. فمما لا شك فيه أن الإمارات تدرك جيدا أن استقرارها وازدهارها الداخلي، مرتبط باستقرار وازدهار منطقة الخليج والعالم العربي المحيط بها. فمثلا، استقرار منطقة الخليج سياسيا سوف يؤثر إيجابا على استقرار الإمارات السياسي والأمني، تماما كما تدرك الإمارات أن ازدهارها الاقتصادي إنما هو جزء لا يتجزأ من استقرار الأوضاع في مناطق عربية مجاورة، كمصر والعراق وباقي دول الجوار العربي. ولذا نجد أن الإمارات ساهمت بجهد واضح في إحلال السلام في المناطق التي شهدت توترات داخلية، كليبيا والبحرين مثلا، كما لعبت دورا رئيسا في الاستثمارات الخارجية في هذه الدول، ليس فقط رغبة في تحقيق الأرباح، ولكن إدراكا منها أن استثماراتها لها دور مؤثر في تحقيق الاستقرار في تلك الدول، وهو الأمر الذي ينعكس إيجابا على استقرار الإمارات الاقتصادي.
الملمح الرابع هو ما تشهده الإمارات حاليا من حراك في الوعي العام تجاه قضايا المجتمع العامة، مثل حقوق الإنسان والمشاركة العامة والقضايا البيئية وغيرها. وكان ذلك واضحا في الحراك السياسي، كما كان واضحا في مشاركة الإمارات في ساعة الأرض. هذا الوعي مرده إلى حقيقتين، الأولى: أن هناك تطورا فكريا ومجتمعيا حصل في السنوات السابقة أسفر عن هذه التحولات، والحقيقة الثانية هي أن حرية الفكر والتعبير والرأي مكفولة للجميع.
هذه الملامح الأربعة ساهمت في الدفع بالإمارات لكي تتبوأ مكانة خارجية مميزة تضاف إلى رصيدها السابق، كما بعثت برسائل اطمئنان داخلية سوف تساهم بلا شك في زيادة التلاحم بين القيادة والشعب.
إن الظروف الاستثنائية التي تمر بها الإمارات حاليا، سوف تساهم بلا شك في ازدهارها ورسوخ مكانتها. كما أن استقرار الأوضاع الإقليمية والعربية سوف يؤدي بالتأكيد إلى تعزيز مكانة الإمارات داخليا وإقليميا ودوليا، وسوف يكون لها دور مؤثر، ليس لأنها تريد لعب دور فعال، فالإمارات بطبيعتها مسالمة، ولكن واجباتها القومية والدولية تجاه محيطها العربي والدولي، والذي هو في صميم تفكير القيادة السياسية منذ نشأتها، هو الذي يدفعها ويؤهلها لتلعب دورا فعالا على الساحة العربية والدولية.