كما فشلت الولايات المتحدة فشلت قبلها بريطانيا في ابتلاع المنطقة. وخرجت صفر اليدين. ووصلت الولايات المتحدة إلى النتيجة ذاتها. وسارعت في النهاية إلى الاعتراف بصعوبة المهمة رغم الاستعدادات والإمكانيات الهائلة التي جندتها لهذه المهمة الخطيرة. لأنها لم تطلب من المستعمرين القدامى مدها بما يكفي من المعلومات التاريخية والحضارية عن سكان الشرق الأوسط. ثم أن قراءة كتاب السياحة عن القاهرة لا يعني أنك فهمت تاريخ المنطقة كما يجب. لا بد من العيش فترة طويلة بين أهالي تلك الشعوب حتى يتم استيعاب الدرس جيدا.
وقد لاحظنا في السنوات الأخيرة أن الرئيس نيكولا ساركوزي منذ انتخابه رئيسا لفرنسا، مشغول البال في كيفية جعل فرنسا تلعب دورا عالميا في (حل أو تعقيد؟) أزمات الشرق الأوسط، حيث هناك أكثر من أزمة واحدة. فهناك أزمات حدود وأزمات طائفية وأزمات اقتصادية وأزمات بيئية وأزمات مع العدو الإسرائيلي. وكما نعلم فإن (أزمة الشرق الأوسط) هي حصان طروادة الذي من خلاله يسعى الغرب في كل مرة الدخول إلى كسب قلب المنطقة. ولكنه يخرج في نهاية الأمر دون أن يجد هلين الجميلة. فهل سينجح الرئيس ساركوزي في ما قد فشل فيه بوش؟
لا أحد يعرف. لكنه بدأ أولا في موضوع أزمة لبنان. ولم ينجح. فها هي أزمة الرئاسة في لبنان تراوح مكانها، وظل لبنان منقسما حول نفسه، وظل ملف مقتل رفيق الحريري دون إجابة. مع أن لبنان كان مستعمرة فرنسية بحق وحقيق. ومع ذلك لم تستطع فرنسا أن تفرض رأيها أو سياستها هناك. وحاولت فرنسا أن يكون لها دور في أزمة الصراع الإسرائيلي العربي، ولم تحصل على نتيجة، ثم انشغلت بأمر آخر. وحاولت أن يكون لها صوت في قضية ملف إيران النووي، ولم تأتي مواقفها بثمار. وظل النظام الإيراني متعنتا في مواقفه، ضاربا تصريحات هذا وذاك بعرض الحائط. إلى درجة أن الرئيس ساركوزي فقد العديد من مؤيديه، ووصل إلى مستوى متدن من الشعبية لم يصل إليها أي رئيس فرنسي سابق.
ولا نستطيع أن نجزم بأن هذا الرئيس المتحمس والنشط والحيوي قد قرأ تاريخ المنطقة حين قرر التدخل في الأزمة الليبية. وقد لاحظنا أن معظم دول العالم وقفت حذرة من ليبيا ومن سياسة الرئيس معمر القذافي. وعلى رأس هذه الدول ألمانيا وتركيا. ولم يكن تدخل الولايات المتحدة الأميركية إلا على استحياء أن تظل صامتة أمام ما يتعرض له الشعب الليبي، واكتفت بالتصريحات الرنانة أو الدعم غير المباشر كما فعلت في أفغانستان والعراق. فهي تعلم جيدا أن الدخول بعد اليوم في دوامات الشرق الأوسط لأي غرض كان قد تكون نتائجه غير محمودة العواقب. فاختاروا موقف المتفرج.
أما فرنسا ففضلت العمل على الصمت. ولها بالطبع أهدافها. فقد علمنا الغرب بأنه لا شي مقابل لا شيء. فلفرنسا مصالح اقتصادية هامة في المنطقة. النفط وعقود التجارة والصناعة. وفيما لو انتصرت الثورة في ليبيا بالدعم الفرنسي المتمثل في الضربات الجوية فإن ذلك سيشكل فضلا لن ينساه الشعب الليبي لفرنسا، وسوف يجازيه بعقد الصفقات الكبرى في شتى المجالات.
غير أن الرئيس الفرنسي ربما راودته نفسه إلى أن يلعب في المنطقة دور البطل الأميركي كما في أفلام هوليوود، وهو الدور الذي انحسر بسبب ما تعرضت له قوات الولايات المتحدة من ضربات موجعة في أفغانستان والعراق والتكلفة الباهظة الثمن التي دفعتها، وسقوط عدة أنظمة كانت الولايات المتحدة تدعمها سابقا كما حصل في مصر وتونس. وظن ساركوزي أن الفرصة مواتية في غياب منافس آخر في الساحة وبالتالي سيحقق ما كان لا يحلم من قبل في تحقيقه .
وأن ذلك سيرفع من مؤشر شعبيته في فرنسا ويدعم اقتصاد بلاده على المدى الطويل ويجعل بلاده تحتل في القرن الحادي والعشرين مكانة الولايات المتحدة في القرن العشرين فيما يخص إدارة شئون العالم. وهذه مسألة ليست بهذه البساطة. وتحتاج إلى قوة بشرية هائلة وقوة عسكرية لا أول ولا آخر لها ترعب البعيد قبل القريب.
فهل ورط ساركوزي نفسه (أم تم توريطه؟) في زنقة ليبيا وفي قضية هي أكبر من قدراته العسكرية المتاحة؟ لا نستطيع أن نجزم قبل أن نرى النتائج على أرض المعركة بعد رحيل معمر القذافي.
إن المعارك العسكرية على أرض العدو وعلى مسافة بعيدة تكون دائما باهظة الثمن. واقتصاد فرنسا اليوم بسبب الأزمة العالمية ليس على أفضل حال للتورط في مثل هذه المغامرة الخطرة غير المرغوب فيها عالميا، وأيا كانت الأهداف التي تنطوي خلفها، فهي غير محمودة العواقب. والوقت ليس متأخرا أبدا للبدء في قراءة سيرة وتاريخ المنطقة تماما كما يقرأ العراف خطوط يد العفريت!