في الدور الخمسين من أحد فنادق دبي التي لذت بها ذات إجازة بحثاً عن الهدوء، لم أتصور أن السيد ضجيج سيتبعني إلى هناك أيضاً، ويحرمني متعة الاستمتاع بمنظر البحر والشمس والعمران الحديث، من تلك الشرفة المعلقة بين الأرض والسماء قريباً من برج خليفة، وعلى الرغم من أن صوت الضجيج يكاد يكون نفس الصوت المحتشد في فناء بيتي الخلفي، ألا وهو صوت هدير المركبات والشاحنات على الطريق السريع القريب منا، فإن الضجيج على ذلك العلو الشاهق كان شيئا آخر لا دخل للمركبات والطرق وهيئة الطرق به، فما هو إذن؟

 كنت أتساءل، لأدرك سريعاً بأنه ليس إلا صوت الرياح وهي تحيي تلك الأبراج المتناثرة في المكان بطريقتها الخاصة، غير مبالية براحتنا وهدوئنا وسلامة أعصابنا! بعد أيام وبينما كنت أقف مع صديقة خليجية في شرفة في الدور الرابع عشر في فندق آخر بادرت إلى الشكوى هي أيضاً من الضجيج الذي يحرمها من الاستمتاع بالمناظر الجميلة المحيطة بالمكان، مستغربة وصول الضجيج إلى ذلك المكان المرتفع، فقلت لها: إنها الرياح يا عزيزتي هي مصدر هذا الإزعاج، و الشكوى من الرياح لن تذهب حتماً إلا مع الرياح.

ثقافتنا العمرانية فيما يتعلق بناطحات السحاب لا تزال ناقصة، وسيمر وقت طويل قبل أن نستوعب أبجديات هذه الثقافة، ولقد استفدت من تجاربي البسيطة في هذا المجال أن أتجنب السكن في الأدوار فوق العاشر ما أمكن هنا، ولكن هل فعلاً نحن أمام ظاهرة ضجيج الأماكن العالية؟ وهل هو أمر عادي؟ وهل هناك ما يمكن فعله للتقليل من ذلك؟ لست أدري! ونفس الجهل ينتابني عندما أقف أمام ضجيج الطائرات الذي يشكل صداعاً مزمنا لكثير من الناس خاصة أولئك القاطنين قريبا من مدرج المطار، ولكني لا أنسى هنا حديثاً لمدير العمليات في مطار ميونخ أبدى فيه فخره بمستوى الأداء في مطاره، وسير العمليات والخدمات فيه بمنتهى الهدوء والسرعة والسلاسة على الرغم من مرور مالا يقل عن الثلاثين مليون راكب سنوياً به، وعلى الرغم من توقف المطار عن العمل من الثانية عشرة مساء وحتى السادسة صباحاً، والجملة الأخيرة ذكرها متبوعة بقوله: (طبعاً لأن الناس تريد أن تنام)! من يفكر في العالم الثالث في الناس إذا كانت نامت أو جنت؟ عموماً هذا الحديث نبهني إلى أن هناك ما يمكن فعله حتى بالنسبة لضجيج الطائرات.

على الأرض هناك شيء واحد نراه في الدول المتقدمة وأظن أنه ممكن التنفيذ وهو مصدات الصوت على جانبي الطرق السريعة، لا أدري لماذا لا توجد عندنا، على الرغم من تنامي ضجيج المركبات على هذه الطرق ليل نهار، كلنا يعلم أن الضجيج تلوث سمعي، وأن أضراره قد تكون خطيرة على الصحة العامة، فهل يجب أن تتجاوز درجة الضجيج المقاييس العالمية الطبيعية، ويظهر تأثيرها على الناس لنبدأ العمل؟

البعض لا يحلو له الحديث إلا بصوت عال ولا الضحك إلا قهقهة وبملء الشدقين، في الشارع في الدكان في المراكز التجارية في العيادات والمستشفيات، وتبرز الحالة أكثر لدى جنسيات معينة، لا تعرف الفرق بين الخاص والعام أبدا، وكم من مرة دخلت محلا لأشتري فإذا العاملة مشغولة بالثرثرة وبصوت عال على الهاتف، لا تعرف كيف توعّي هؤلاء وأظن التوعية يجب أن تكون لأرباب العمل لتصل إليهم.

هناك ما يسمى بدرجة الصوت، ويبدو أن ذلك غائب عن الكثيرين، فهو يتحدث في الهاتف تماما كما ينادي مفقودا في بئر، ويتحدث مع العدد القليل من الناس كمن يخطب في الجماهير، ولا يفرق بين موقف وموقف، فإذا كان لكل مقام مقال فإن لكل مقال أصوله من حيث طوله وقصره ونوعيته ودرجة أو درجات الصوت أيضا، تشيع لدى الأمم الواعية لشئونها درجة صوت يبدو أننا لا نعرفها أو نسيناها، إنها درجة صوت منخفضة جداً وواضحة، إنهم يعلمونها أطفالهم منذ الصغر وليتنا نفعل.

الضجيج الموسيقي واضح أيضاً، ولا أدري من الذي أقنع أصحاب المحال والمراكز والمطاعم بأن الموسيقى ضرورية على الدوام، في الغرب يتسوق الناس في أجواء هادئة، وينعمون بالمشي في الأسواق، وبالجلوس في المقاهي والمطاعم دون ضغط الموسيقى المتواصل، فهلا انتبهنا لذلك؟

بعض الضجيج تنفيس وتسلية للناس، في كأس العالم ‬2006 هالني تسامح المجتمع الألماني مع الصخب المثار، في كل مكان، حيث تغلق شوارع بأكملها، بسبب حشود المشجعين المتنافسة، ومسيراتهم الاستفزازية لبعضهم البعض، وحيث مناظر لا تتكرر في أوروبا بأكملها تدور يوميا من زمور السيارات المتواصل إلى إظهار الأيدي والرؤوس من السيارات، والوقوف على النوافذ لكيل الشتائم للخصوم، ضجيج قد يحرمك الراحة أحيانا، ولكنه ضجيج خلاق، ويبدو أنه للاستهلاك الأوروبي فقط، وهو لا يشبه بالتأكيد الفوضى الخلاقة التي ابتلتنا بها كوندوليزا وراحت.