تجذب الأحداث الراهنة التي يشهدها العالم العربي انتباه الرأي العام العالمي. على العكس يبدو أن الصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي قد أصابه الجمود، هذا في الوقت الذي ربما كان من الثورات العربية أن تضيء منظورات الوصول إلى تسوية.
وبدا أن الرئيس اوباما يريد أن يدفع في مثل هذا الاتجاه عبر الشرح للقادة الإسرائيليين أن اقتراح خطة للسلام ذات مصداقية قد تنقذ محمود عباس من حركة احتجاج محتملة في الضفّة الغربية وتخفف الضغط عن الملك الأردني عبد الله وتقلّص احتمالات تحقيق الأخوان المسلمين على فوز كبير في الانتخابات القادمة بمصر وتساهم في المحصلة بتطبيع إسرائيل في العالم العربي.
العكس هو الذي حصل في السياق الحالي. والحركات الثورية العربية غطّت إعلاميا وسياسيا على النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي. هكذا وللمرّة الأولى منذ عدّة سنوات لم يذكر اوباما الموضوع في الخطاب السنوي للاتحاد في شهر يناير ـ كانون الثاني الماضي. هذا في الوقت الذي ترى فيه المعارضة الجمهورية وقسم من الديمقراطيين في الثورات العربية وسيلة لاستعادة المجال السياسي الضائع منذ نهاية إدارة جورج والكر بوش.
وكانت الأسابيع الأخيرة قد شهدت موجة من المقالات والدراسات والمحاضرات في الولايات المتحدة تشرح أن الحركات الجارية في العالم العربي تثبت صحّة «أجندة الحريّة» التي قال بها بوش. وكذلك صحّة الخطاب الذي تقوم عليه والقائل أن المسألة الفلسطينية ليست مركزية لأن الانتفاضات الخالية هي تعبير قوي عن أشكال غياب المساواة والاجتماعية وغياب الحريات الديمقراطية. وبالتالي ليس هناك أي سبب للاهتمام بالملف الفلسطيني.
في مواجهة هذا الهجوم لم يتمكن اليسار الإسرائيلي المريض القيام بأيّة مبادرة لتفهيم فكرة أن المسار الثوري العربي يشكّل فرصة محتملة لإعادة النظر في مكان وصورة إسرائيل في المنطقة وعلى المستوى العالمي. بالعكّس ثبّت اليمين واليمين المتطرّف من مواقعهم. ولم يتوقف وزراء حكومة نتنياهو عن تحذير القادة التونسيين وقبلهم المصريين ضد إمكانية تبنّي توجهات سياسية جديدة حيال النزاع الفلسطيني ــ الإسرائيلي وحذّروا من جهة أخرى الرأي العام العالمي من مخاطر انبثاق أنظمة أسلامية في هذه البلدان.
الوضع ليس إيجابيا أبدا بالنسبة للجانب الفلسطيني. والوثائق الخاصّة بالمفاوضات مع إسرائيل التي جرى الكشف عنها أضعفت المفاوضين الفلسطينيين وأدّت إلى استقالة صائب عريقات. وفشل المحاولات المتعددة لتحقيق المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية يثقل أيضا. والوساطة التي كانت تجري أساسا من قبل مصر توقفت بعد سقوط حسني مبارك.
وفي مواجهة توقف المفاوضات وعلى خلفية الخشية من نتائج حركة المطالب الديمقراطية في فلسطين أعلن محمود عباس الذي انتهت رئاسته رسميا منذ شهر يناير 2009 عن انتخابات رئاسية وتشريعية وبلدية قبل نهاية العام الجاري، وستكون الانتخابات الأولى منذ انتخابات عام 2006 التي فازت حماس فيها. لكن تنظيمها يلاقي العقبات، فحماس ترفضها والسلطة الفلسطينية ترفض تنظيمها في الضفة الغربية وحدها.
الوضع يبدو عامّة في الطريق المسدود. هذا رغم عدة محاولات ترمي إلى قيام دولة فلسطينية. وكان قد جرى طرح قرار يدين الاستيطان لمجلس الأمن دعمه 132 بلدا، أي أكثر من ثلثي الأعضاء. واقترع لصالحه 14 من 15 عضوا في مجلس الأمن بتاريخ 18 فبراير. لكنه اصطدم بـ «الفيتو» الأميركي.
وتابع الفلسطينيون من جهة أخرى، بقدر أكبر من النجاح، مساعيهم لتعبئة حركة اعتراف من جانب واحد بالدولة الفلسطينية. وقد اعترف فيها ما يزيد عن مائة دولة، لكن الولايات المتحدة وأوروبا لا تزال خارج هذه الحركة. وإذا اتسعت حركة الاعتراف من المفروض أن يصل الأمر إلى الأمم المتحدة للقيام بإجراءات قبول العضو الجديد وبحيث يُطرح من جديد موقف الولايات المتحدة قبل عدّة أشهر من الانتخابات الرئاسية الأميركية.
مع ذلك علينا أن لا نتغذّى بالأوهام. إن هذه الأعمال ومهما كانت إيجابيتها لا يمكنها أن تكون بديلة لحل سياسي يبقى هو المنظور الوحيد المقبول والواقعي. هذا يطرح مرّة أخرى مسألة الضغوط الضرورية على إسرائيل كي تقبل استئناف مفاوضات حقيقية وتوقف حركة الاستيطان المستمرّة وتحترم القانون الدولي.
.