الأمة العربية تعيش ربيعاً انتظره الكثيرون، بل انتظرته الغالبية الساحقة من أبناء هذه الأمة الذين طال بهم انتظار تحرك الجماهير لنيل حقوقها ووضع الأمور في نصابها الصحيح، ضمن تيار العولمة الجارف بمستلزماته الاقتصادية ومتطلباته السياسية.
فقد تغير معظم النظم السياسية حولنا، وظللنا في هذه الربوع الواسعة جامدين على ما كان عليه الحال أيام الحرب الباردة، يوم أن كان العالم يغض الطرف عما كان يجري في داخلنا العربي، وذلك حفاظاً على التوازنات العالمية القائمة في صراع المعسكرين الذي كان لا هوادة فيه.
فكان المعسكران يسعيان بكل ما وسعهما من قوة، لخطب وكسب ود هذا النظام أو ذاك، وبالتالي يغضان الطرف عما يجري في حدوده، تحت مبرر «عدم التدخل في الشأن الداخلي»، وتحت ذريعة «السيادة».. وغيرها من الحجج.
وقد عرفت الأنظمة الاستبدادية في منطقتنا كيف تلعب على هذا الوتر، فكانت ورقة الانفتاح على هذا المعسكر أو ذاك، وتغيير اصطفافها، إحدى أوراقها القوية التي ترفعها في وجه حليفها العالمي، إن هو أبدى ولو أدنى ملاحظة حول ما كانت تعمله في الداخل. ولذا، لم يكن غريباً على أنظمة «ليبرالية»، كالولايات المتحدة الأميركية وشقيقاتها الغربيات، ألا ينبسوا ببنت شفة حيال ما كانوا يلحظونه من هدر لحقوق الإنسان، وغياب للديمقراطية والمشاركة الشعبية، في تلك الدول التي مثلت منذ نهايات الحرب العالمية الثانية حلفاء استراتيجيين لها!!
أما وقد وضعت الحرب الباردة أوزارها بسقوط ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وبانتصار الليبرالية ممثلة بالولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان، فلم يعد تغيير الأنظمة يعني الكثير للنظام العالمي الجديد ذي القطب الأوحد. فمهما تغير هذا النظام أو ذاك، فإنه لن يذهب بعيداً في عالم أخذت الولايات المتحدة والدول الغربية تسودانه.
وظلت خشية هؤلاء الوحيدة من سقوط النظام في أيدي إسلاميين متطرفين موالين لتنظيم القاعدة. بل إنها لم تقف حجرة عثرة أمام صعود نظام كطالبان، وهي التي حاربتها بعد أن رفضت التخلص من أسامة بن لادن!! علاوة على مجيء نظام معاد بحدة لإسرائيل، بالنسبة لدول الطوق.
وكان سقوط الاتحاد السوفييتي وتوابعه في أوروبا الشرقية، إيذاناً بعهد جديد، ما زالت صفحاته تكتب من خلال التحولات الديمقراطية التي تبنتها الأنظمة التي ورثت ذلك العهد، إذ أصبح بعضها جزءاً من الاتحاد الأوروبي، الذي لم يقبلها إلا وفقاً لمعاييره الديمقراطية، وبعضها في صراع للتحول إلى النظام الديمقراطي، كما في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية. أما روسيا ذاتها، فديمقراطيتها مشحونة بإرث الماضي الاستبدادي.
وقد سبقت أميركا اللاتينية دول أوروبا الشرقية، وهي القارة التي عانت الأمرين من حكم العسكر في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ومن هيمنة الشركات الاحتكارية الأميركية على اقتصاداتها، وتدخلات جهاز المخابرات الأميركي في تحديد مصير نظمها. لكن ما إن لاحت تباشير الثمانينات حتى بدأت تتحول نظاماً بعد آخر، إلى حكم القانون وصناديق الاقتراع والحريات العامة.
ولقد رأينا تغير المواقف الأميركية والأوروبية، على الأقل على مستوى الخطاب السياسي، في دعوة ونصح الحلفاء والأصدقاء لولوج طريق الديمقراطية. بل إن جورج بوش الابن قد جعل ذلك شعاره، وتحديداً في تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة تنعم دولها بمشاركة مواطنيها في صنع القرار.
ولا نريد أن نخوض في ما إذا كانت تلك مجرد شعارات دعائية، أم تحولاً أيديولوجياً حقيقياً في توجهات تلك الإدارة. ولكن يمكن القول باطمئنان، إن مقداراً من التغير قد تحقق على صعيد التوجهات الأميركية والغربية لمسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان، في سياستها الخارجية وفي التعامل مع الأنظمة الصديقة لها.
وظلت الدول العربية (ومعها الصين وعدد قليل من الدول هنا وهناك) آخر القلاع التي قاومت رياح التغيير، فحتى الدول الإفريقية (دول جنوب الصحراء) ولجت في العصر الديمقراطي، وإن بمشكلات يضيق المقام الآن عن التطرق إليها.
ثم انفجرت الأوضاع في تونس لتمتد إلى مصر وغيرها، وها نحن نعيش فصولها مع النقل المباشر عبر الفضائيات، التي باتت تنصب كاميراتها في ساحات مدن الوطن العربي، وينقل مراسلوها وقد اختلطوا مع المتظاهرين، هتافات هؤلاء وشعاراتهم. لا بل أصبحت الوسائل أكثر توفراً ويسراً لتنقل ما لا تستطيع هذه الفضائيات نقله، من خلال الهواتف النقالة للمتظاهرين المحتشدين في المدن الصغيرة والقرى المتناثرة.
حقاً إن هذه التطورات تفرض تحدياً على الأنظمة العربية التي ما زالت تعيش مرحلة الماضي، ولا تريد أن تتكيف مع الزمن ومتغيراته، ولا تعتبر بحكم التاريخ الذي تُنسج خيوطه أمامها. وهي في نفس الوقت، تفتح أمام الجماهير العربية آمالاً عريضة بغد مشرق، تكون فيه هي صانعة لمصيرها ومشاركة في ما يهمها من قرارات، دون أن يعني ذلك أن الطريق إلى الديمقراطية سيكون مفروشاً بالورود، أو دون نكسات وإخفاقات.
ومع ذلك، فهذه التخوفات لن تمنعنا من التمتع بهذا الربيع الذي هَلَّ علينا، والذي طال انتظارنا له.