وفق إحصائيات يابانية رسمية صدرت في ‬26 مارس ‬2011، ارتفعت حصيلة الزلزال الذي ضرب اليابان في ‬11 مارس الجاري إلى ‬27509 بين قتيل ومفقود. وأوضحت المصادر الرسمية أن معظم القتلى والمفقودين من محافظات مياغي وإيواتيه وفوكوشيما، وهي الأكثر تضرراً بالكارثة. وما زالت مراكز الإغاثة تؤوي حتى الآن أكثر من ‬200 ألف مشرد، معظمهم من تلك المحافظات الثلاث المنكوبة.

وبما أن اليابان هي «إمبراطورية الطقوس» المستمرة منذ قرون عدة، فإن أكثر ما يحزن العائلات اليابانية هو أن المنطقة المنكوبة تعرضت مؤخرا لعاصفة ثلجية استمرت عدة أيام، مما اضطر المسعفين إلى دفن مئات الجثث بعد تعرف الأهالي إليها، دون التمكن من إحراقها وفق الطقوس اليابانية التقليدية التي يوليها الأبناء أهمية خاصة في دفن أهاليهم.

على جانب آخر، بدأت آثار النكبة النووية تظهر بوضوح، عبر كثرة حالات التلوث بالإشعاع النووي بصورة مرتفعة في مياه الشرب، والخضار، وبعض الأغذية. وطالت لائحة الدول التي ترفض استيراد منتجات يابانية، خاصة من المنطقة التي تضررت من جراء تسرب الإشعاعات النووية. فكثفت وزارة الصحة عمليات مراقبة المياه، والأغذية، وحليب الأطفال، والأسماك والرخويات البحرية التي يتم اصطيادها من السواحل اليابانية المنكوبة.

وبعد أن تم رصد مواد مشعة في مياه البحر قرب محطة فوكوشيما، تراجعت بشكل حاد أسعار ثمار البحر في سوق تسوكيجي قرب طوكيو، وهو يعتبر أكبر سوق لبيع الأسماك في العالم، ويعيل عددا كبيرا من العائلات اليابانية، لأن تجارة الأسماك تشكل موردا رئيسيا للقوى المنتجة في اليابان. وما زاد في حدة الأزمة المعيشية، أن أسعار الأعشاب البحرية التي يستخدمها اليابانيون بكثرة في إعداد الحساء، قد ارتفعت بشكل حاد بسبب نقص الوقود لاستخدام وسائل النقل، فاضطر التجار لشراء تلك الأعشاب من مناطق بعيدة عن التلوث الإشعاعي، وبيعها للمستهلكين بأسعار مرتفعة.

ونظرا لصلابة اليابانيين وتماسكهم الرائع في حماية شعبهم ووطنهم، برزت جوانب إيجابية خففت من حدة المأساة، وفتحت كوة واسعة من الأمل بتجاوز الكارثة الكبرى، والبدء بالعد العكسي للخروج منها.

‬1- فقد أعيد التيار الكهربائي جزئيا، بفضل التضحيات الكبيرة للتقنيين اليابانيين، مما ساعد على استئناف أنظمة تبريد في بعض المفاعلات المتضررة، وإصلاح عدد من خطوط الإمداد لتوليد الطاقة الكهربائية ونقلها إلى المناطق المنكوبة.

‬2- تراجع مستوى اليود المشبع بالإشعاع في مياه الشرب، بفضل جهود وزارة الصحة التي فرضت رقابة مشددة. وبما أنها ما زالت تمنع تقديم تلك المياه إلى الأطفال الرضع، بادرت على الفور إلى توزيع مياه سليمة ومعقمة مجانا على الأمهات.

‬3- ما زالت عملية تبريد مفاعلات فوكوشيما النووية مستمرة، ويستمر التقنيون في تبريد جميع المفاعلات المتضررة، على أمل السيطرة عليها بصورة نهائية. وكانت الكلفة البشرية كبيرة، فقد أصيب عدد من التقنيين بالإشعاعات النووية، وكان آخرهم ثلاثة تقنيين أصيبوا بالتلوث الإشعاعي في ‬25 مارس الجاري.

‬4- على الجانب الاقتصادي، قدر البنك الدولي الكلفة المباشرة للكارثة بحوالي ‬235 مليار دولار، في حين قدرت الحكومة اليابانية حجم الأضرار الناجمة عنها بحوالي خمسة وعشرين تريليون ين، أي ما يقارب ‬309 مليارات دولار، وهي تعتبر الأكبر حجما في العالم من الناحية الاقتصادية. أما من ناحية الخسائر البشرية، فقد أوقعت الزلازل التي ضربت الصين وأندونيسيا وهاييتي، عددا أكبر من كارثة اليابان من حيث عدد القتلى والمفقودين والمشردين.

‬5- ما زالت الكلفة النهائية للأضرار الاقتصادية للزلزال مجرد تقديرات عامة، معرضة للارتفاع بسبب انقطاع التيار الكهربائي بشكل متواصل في منطقة طوكيو ومناطق يابانية صناعية. كما أن شح الوقود الضروري لتحرك الآليات ونقل المسافرين والسلع التجارية، قد شل عمل الشركات والمصانع بسبب توقف المحطات النووية والحرارية، ومعها محطات النقل على أنواعها، منذ حدوث الزلزال، إضافة إلى أن القطاع الزراعي، والقطاع الصناعي، وقطاع صيد الأسماك في المنطقة المنكوبة والمناطق التي تأثرت بالتلوث الإشعاعي، تكبدت خسائر كبيرة. وقد تمر فترة طويلة قبل أن يزول نهائيا تأثير الإشعاعات، فتعود الخضار والفواكه والحبوب والأسماك واللحوم وغيرها صالحة للاستهلاك المحلي، وللتصدير إلى داخل اليابان وخارجها.

‬6- ألحقت الخسائر البشرية والاقتصادية الكبيرة للزلزال المدمر، ضررا بالغا في بنية الاقتصاد الياباني. فبالإضافة إلى أن الخسائر المادية المباشرة التي قدرت بحوالي ‬4٪ من الناتج المحلي الإجمالي لليابان، من المتوقع أن تكون نسبة النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي سلبية خلال العام الحالي ‬2011، بعد أن كانت جميع التوقعات قبل وقوع الزلزال، تؤكد على زيادة مرتفعة في نسبة النمو.

‬7- أخيرا، يبرز اليوم ارتباك كبير في عمل المصانع اليابانية، وشبكات الإنتاج في قطاعي السيارات والالكترونيات، وفي صناعة الروبوت. لكن بعض التقارير الاقتصادية يشير إلى أن الحركة في قطاع البناء يمكن أن تتضاعف لإعادة إعمار المناطق المهدمة والبنى التحتية، مما يساعد كثيرا على سرعة تجاوز مرحلة الانكماش الاقتصادي في اليابان.

نخلص إلى القول إن الكارثة التي لحقت باليابان تؤثر سلبا على اليابان ومناطق عدة من العالم، في حال اضطر اليابانيون إلى استعادة نسبة كبيرة من الرساميل اليابانية المنتشرة بكثافة في الخارج. فقد كانت اليابان تحتل المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي، إلى أن أزاحتها الصين عنها في نهاية العام ‬2010، فباتت تصنف في المرتبة الثالثة عالميا. ولدى اليابان طاقات اقتصادية هائلة تقدر بحوالي ستة تريليونات دولار، فهي قوة اقتصادية عملاقة وفاعلة على على المستوى الكوني في كثير من المجالات الحيوية، كالتكنولوجيا المتطورة، والأجهزة ذات التقنية المعقدة، وصناعة الروبوت، وناقلات النفط ومصافي تكريره، ومحطات توليد الطاقة النووية، ومحطات تسييل الغاز الطبيعي، وغيرها. وتعتبر صناعات اليابان ورساميلها وتقنيانها المتطورة، من الركائز الصلبة وذات الحضور الفاعل في الاقتصاد العالمي، بعد أن ساهم اليابانيون في تطويره منذ أكثر من نصف قرن.

ختاما، مد اليابانيون يد المساعدة لدول كثيرة في المحن التي تعرضت لها. ومع أنهم لم يطلبوا المساعدة رسميا لمواجهة الكارثة التي حلت بهم، فإن جميع دول العالم وشعوبها تألمت لما أصاب هذا الشعب الصامد، الذي وضعته الأقدار على أرض مضطربة جدا، فسارعت إلى دعم اليابان بكل الوسائل الممكنة، ونجح الاحتضان الدولي في الحد من هول الكارثة، ودرء مخاطر الأزمة النووية بصورة تدريجية، مما ساعد الشعب الياباني على تضميد جراحه بسرعة، على أمل استخلاص الدروس من الكارثة التي باتت محتملة في كثير من البلدان التي تعتمد الطاقة النووية لأغراض سلمية أو عسكرية. وبات عالم اليوم يعيش مرحلة التاريخ الكوني، الذي قرب المسافات بين الشعوب والدول، فبات الجميع في مركب واحد معرض في كل يوم لكوارث مدمرة، بعضها من صنع الطبيعة، وبعضها الآخر من صنع البشر أنفسهم، ولعلها الأكثر سوءا.