أربعون حولاً بالتمام تفصل بين بدء تشغيل مفاعل فوكوشيما النووي الياباني عام ‬1971، وبين تعرضه لغضبة طبيعية مركبة من زلزال مدمر وتسونامي صاعق عام ‬2011. وقبل ربع قرن بالتمام أيضاً (‬1986)، وقعت حادثة مفاعل تشيرنوبل في الاتحاد السوفييتي السابق، بعد مرور تسعة أعوام على تشغيله، نتيجة لخطأ وإهمال بشري.

لا جدال في أن كارثتي تشيرنوبل وفوكوشيما باغتتا قوتين متقدمتين ورائدتين في تطوير الطاقة النووية نظرياً واستخدامها عملياً؛ لأغراض عسكرية كما في الاتحاد السوفييتى الآفل، أو اقتصادية مدنية كما هو المثل الياباني راهناً. هذا يؤكد أنه لا عصمة لأية مؤسسة نووية من أخطار طارئة تتعرض لها، مهما بلغ أصحابها أو رعاتها من مراتب علمية وتقنية رفيعة. وعدا هذين الحادثين المروعين، ثمة عشرات الحوادث النووية الأخرى، التي تظل إما أقل تأثيراً وإثارة للفزع وشهرة، وإما أنها أحيطت بالكتمان والصمت الرهيب.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، ولأن الكارثة الحقيقية تثير الخوف من كوارث مماثلة قيد التوقع، بالنظر لتوفر شروط الكوارث، طبيعية كانت أم بشرية، في كل مكان وزمان، فإننا مجبرون في هذا المقام على استحضار حديث المؤسسات النووية الإسرائيلية والكوارث الرابضة في أكنافها.

بين يدي حادثة فوكوشيما، أعلنت السلطات اليابانية، بما فيها قطاع الطاقة النووية، العجز عن تطبيق ضمانات الأمان في المحطة المغدورة، وطلبت العون من كل ذوي الاختصاص والدراية، وعلى رأسهم الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذا ما جرى مع دولة يضرب بكل قطاعاتها المثل في الانضباط والصرامة، وفي سياق حادث طرأ على مفاعل معني بإنتاج الطاقة الكهربائية ضمن أغراضه السلمية.. فكيف الحال إذا ما واجهت إسرائيل مفاجأة مماثلة، وهي التي تملك مفاعلات أقدم عمراً؛ مستجلبة أصلاً من قوى نووية أخرى كفرنسا وإيطاليا، وتعمل جميعها لأغراض حربية، ولا تخضع لأية رقابة خارجية، وسبق أن أثيرت حول بعضها شبهات بالتقادم إلى درك ينذر بالتصدع؟

على سبيل المثال؛ دخل مفاعل ديمونة الشهير حيز الإنتاج عام ‬1962، أي قبل تشغيل كل من تشيرنوبل وفوكوشيما بزمن طويل نسبياً. ووقتذاك زعمت إسرائيل أن مشروعها يهدف إلى توفير الطاقة لمنشآت استصلاح منطقة النقب القاحلة في الجنوب. ولقد مضى الآن خمسون عاماً دون أن يتقدم إعمار النقب أو زراعته بوتيرة فارقة! ولمن لا يعلم، فإن هذه المنطقة تمثل أكثر من نصف جغرافية إسرائيل، فيما لا يقطنها إلى ساعتنا هذه أكثر من ‬650 ألف نسمة، أي عشر سكان إسرائيل تقريباً.. والسبب أن صناع القرار الإسرائيليين على دراية بما ينتظر جوار هذا المفاعل من مصير أسود، في حال وقوع خطأ لا يمكن استبعاده.

وهناك أكثر من دراسة متخصصة أكدت أن الغبار المنبعث من ديمونة يمثل، إذا ما انفجر، خطراً بيئياً وبيولوجياً يطال بأضراره دائرة يصل نصف قطرها إلى جزيرة قبرص. الثابت أيضاً أن بعض أضرار ديمونة لم ينتظر لحظة تدهوره أو انفجاره.. إذ جاء في تقرير لمنظمة فنلندية مختصة يعود إلى منتصف الثمانينات، أن ‬95٪ من أيام السنة في جنوب إسرائيل ملوثة بالإشعاعات، وأن انعكاسات هذا التلوث أدت بالفعل إلى تكرار حالات الإجهاض وانتشار سرطانات الدم والعظام والثدي، وزيادة معدلات التشوه والعقم.

والحق أن المقاربة الإسرائيلية لقضية إنتاج الأسلحة النووية والاستحواذ عليها، تبدو من غرائب سلوك الدول والشعوب. فنحن إزاء دولة صغيرة ومنمنمة الأحجام في كل مقوماتها، ومع ذلك فإنها آثرت إخلاء نصف مساحتها الجغرافية، وطاردت مظاهر حياة السكان الأصليين من أبناء الشعب الفلسطيني في هذا الحيز، لأجل تخصيصه لصناعة أدوات الموت.

وفي الوقت ذاته، فإن التعامل الدولي مع هذه المقاربة، لا يقل غرابة واستفزازاً وإثارة للحنق. ففي حين تبذل دول النادي الذري والمنظمات المعنية بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، جهوداً جبارة لمتابعة أحوال مشروعات إنتاج هذه الأسلحة على مدار الساعة، في دول كإيران وكوريا الشمالية، نراها تتمنع و«تتمايع» ولا تبالي بمراقبة البرنامج الإسرائيلي، على قدمه وتقدمه.

المشروع النووي الإسرائيلي، بحاجة إلى وقفة عربية ودولية جادة وغير موسمية، تقدر البلاء قبل وقوعه، وتنطلق من فرضية تأكدت صحتها؛ هي أن الكوارث النووية لا تستثني أحداً، ولا تستأذن من أحد، وتأتي من حيث لا يحتسب أحد.