في العالم الحقيقي، تقوم الشركات من أجل غرض واحد، وغرض واحد فقط، ألا وهو تكوين الكثير من المال بقدر الإمكان، وهو ما يعني خفض التكاليف بقدر الإمكان.
لقد قامت شركة جنرال إلكتريك الأميركية بتسويق مفاعلات غلي الماء «مارك 1»، التي استخدمت في مصنع «داييشي» في فوكوشيما في اليابان، بسعر أرخص من أي مفاعلات أخرى، لأنها استخدمت هيكلاً للاحتواء أصغر نسبياً وأقل تكلفة. غير أن مسؤولي السلامة الأميركيين، اعتقدوا منذ فترة طويلة أن التصميم الأصغر أكثر عرضة للتمزق والانفجار في حالات الطوارئ، من التصاميم المنافسة (بالمناسبة، يتم استخدام التصميم نفسه في 23 مفاعلاً نووياً أميركياً في 16 مصنعاً).
في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، قال «هارولد دينتون»، الذي كان مسؤولاً وقتئذ في اللجنة التنظيمية النووية، إن مفاعلات «مارك 1» تصل نسبة احتمال انفجارها إلى 90٪، في حال تعرض قضبان الوقود للحرارة المفرطة، مما يؤدي إلى ذوبانها في الحادث.
هل يبدو ذلك مألوفاً؟ خلصت اللجنة الوطنية للتحقيق في التسرب النفطي العملاق في خليج المكسيك في إبريل الماضي، إلى أن شركة «بريتيش بتروليوم» فشلت بدرجة كافية في الإشراف على عمل شركة «هاليبرتون» في تثبيت بئر النفط.
كانت هذه هي الحال، حتى رغم علم «بريتيش بتروليوم» بأن هاليبرتون تفتقر إلى الخبرة في اختبار الإسمنت لمنع الانفجار، ولم تقم بأداء كافٍ من قبل في مهمة مماثلة. باختصار؛ لم تبذل أي من الشركتين المال الكافي للإنفاق، من أجل تحقيق ضمان كاف للاختبار. وحتى شركة «ماسي»، المالكة لمنجم الفحم في غرب فرجينيا، الذي انفجر في إبريل الماضي مما أسفر عن مقتل 29 من عمال المنجم، لم تنفق هي الأخرى الأموال اللازمة لضمان الأمان في مناجمها. كان للشركة تاريخ في انتهاكات معايير السلامة، لكنها لم تفعل شيئاً للتعامل مع هذا الأمر، سوى خوض معارك أو رفض دفع الغرامات.. وهلم جرا.
لا تفهموني خطأ، فلا توجد شركة يمكن توقع أنها تبني مفاعلاً نووياً، أو تحفر بئراً للنفط، أو منجماً للفحم أو أي شيء آخر، بضمان الأمان بنسبة 100٪ في جميع الظروف. سوف تكون التكاليف باهظة، ويبدو أمراً غير معقول أن نتوقع أن تكون الشركات محصنة تماماً من كل الحوادث المحتملة.
حتماً هناك مفاضلة، فتوخي الحذر المعقول يعني الإنفاق بقدر كبير على السلامة، مع احتمال حدوث كارثة معينة، مضافاً إليها احتمال ضررها على البشر والبيئة حال وقوعها.
هنا تكمن المشكلة، وهي أن الشركات التي تدر الربح، لديها كل الحوافز للتقليل من شأن هذه الاحتمالات والأضرار المحتملة. وهذا هو السبب في أنه من الضروري أن تكون هناك مثل هذه الأمور الوقائية، مثل واضعي التشريعات الحكومية، ولماذا يحتاج هؤلاء إلى الموارد الكافية لتطبيق التشريعات!
ولهذا السبب تعتبر المقترحات الأخيرة في الكونغرس، القاضية بخفض ميزانيات الوكالات المكلفة بحماية السلامة العامة، انها تسير في الاتجاه الخاطئ. مثل هذا الاقتراح يحد من التمويل الموجّه لنظام الإنذار ضد تسونامي. الاقتراح الآخر يمنع وكالة حماية البيئة من تنظيم مسألة تلوث الهواء، بما في ذلك الملوثات المسببة للسرطان. ولهذا السبب أيضاً، لا بد أن يكون واضعو التشريعات مستقلين عن القطاعات التي يتولون وضع قوانينها. عندما يكون هناك باب دوار بين الهيئة التنظيمية والقطاع، فإن المسؤولين يترددون في عض الأيدي التي تطعمهم.
من الشائع في اليابان، مسألة تقاعد المنظمين من أجل الحصول على وظائف أفضل أجراً في القطاعات التي يفترض أنهم يقومون بتنظيمها، وهي ممارسة معروفة هناك باسم «أماكوداري».
لو أن هذا يبدو مألوفاً أيضاً، فهو كذلك. ولنتذكر إدارة الشؤون الإدارية الداخلية لخدمة المعادن في أميركا، فمن من مسؤوليها مَن كان مِن المفترض أن يتولى تنظيم أعمال الحفر البحرية، ثم انتهى بهم المطاف إلى وظائف يسيرة في شركات النفط! وتذكروا المنظمين في القطاع المالي الذين كان من المفترض أن يشرفوا على وول ستريت قبل انهيار الاقتصاد.. فالعديد منهم الآن يتلقون شيكات برواتب مرتفعة!
إن اتجاه الشركات لتقليل احتمالات الأضرار العامة، يتطلب أن توضع قيود على السلطة السياسية للشركات. لا تمكن حماية الجمهور بشكل كافٍ، طالما أن الشركات الكبرى، مثل جنرال الكتريك وبريتيش بتروليوم وهاليبرتون وماسي والشركات الأخرى، يسمح لها بإعطاء رشوة للمشرعين، تحت غطاء حملة التبرعات ومشروعات لا فائدة منها.
للأسف، فتحت المحكمة العليا الأميركية الباب على مصراعيه لأموال الشركات في مجال السياسة. وعلى الأرجح فإن قرارها البغيض، المتمثل في جعل مبدأ «المواطنون المتحدون في مقابل لجنة الانتخابات الفيدرالية»، يتمثل في وضع أرباح الشركات على سلم الأولويات، قبل سلامة شعبنا.
ليس بالضرورة أن تكون السلامة العامة مكلفة إلى حد كبير، لكن المشرعين ووكالات التشريع، يجب أن يكونوا مستقلين وحاذقين.