في صراعات الأمم حروب معلنة قوامها السلاح والعسكر، وأخرى غير معلنة أدواتها صراع ثقافي أو تنافس مخابراتي وجمع للمعلومات. وفي صراع التخابر بين الشرق والغرب قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي، حكايات لها دلالات؛ فقد حددت إحدى الدول مهمة أحد عملائها لا تتطلب منه جمع معلومات أو إمدادها بالتقارير أو بيانات خاصة بالعتاد العسكري. لكن ما هو مطلوب منه على وجه التحديد، هو إذا عرض عليه بحكم مسؤولياته اختيار مدير لشغل موقع أو منصب من بين عدة مرشحين، أن يختار أسوأهم لشغل هذا المنصب فحسب. وبعد مرور فترة من الزمن ليست بالقليلة، انهار الاتحاد السوفييتي وانفرط عقد أوروبا الشرقية بأكمله. وفي هذا إشارة كبيرة لأهمية الدور المنوط بالقيادة الإدارية في أية مؤسسة، مهما صغرت أو كبرت، فكل من توكل إليه مهمة هو المسؤول الأول عنها، وهو المدير الأول لها حتى تتم على الوجه الأكمل.
لذا فإن إعداد القيادات نفسياً وصقلها إدارياً، وإكسابها المهارات الخاصة بسبل التواصل الإنساني الصحيح والقدرة على قيادة العمل بالشكل الذي يجعل العاملين معه، وليس عنده، يخرجون أفضل ما لديهم والقدرة على التقمص الوجداني وإحساسه بمشاعر الآخرين، وأن يتمكن من التعبير عما يريده بوضوح، ليس من شأنه إنجاح العمل المؤسسي فحسب، بل من شأنه إنجاح المشروع الوطني برمته. فما الوطن الكبير إلا مجموعة من المؤسسات والهيئات والمنظمات التي يضطلع بها أبناؤه، فإذا فسدت فسد وإذا ارتقت ارتقى.
وفي رحلة الإنسان مع الحياة وتقلبه في دنيا الناس، سواء رئيساً أو مرؤوساً، تكسبه التجربة الحياتية خبرات من الواقع قد تؤيدها القواعد المدونة في الكتب الخاصة بعلوم الإدارة أو تختلف مع بعض جوانبها. ورغم أن المنظرين للعلوم الإدارية لا يعتدّون كثيراً بواقع التجربة في الإدارة، إلا أن الواقع أصدق إنباءً من الكتب، وفي شواهده الحد بين الحق والزيف، وخاصة في مجال الإدارة، وهو أحد العلوم التي برع الغرب في التنظير لها، وما قام به الباحثون العرب، سواء من درس في الغرب أو في الداخل أو من يقومون بالإعلان ليل نهار عن المدربين العالميين في مجال الإدارة، هو كيفية نقل الفكر الغربي إلى العقل العربي، رغم أن الشخصية العربية تتسم بخصائص تختلف في كثير من جوانبها عن غيرها، كما أن الجوانب النفسية والوطنية والتدين الفطري، تلعب دوراً أساسياً في استنهاضها واستخراج الأفضل من مكنون خزائنها، والذي قد يعوض في أحيان كثيرة العوز التقني الذي لا يتوافر لديها.
إن ممارسات وأساليب المدير ونهجه الإداري، لا تتوقف آثارها عند حدوده فحسب، بل تتعدى ذلك إلى باقي العاملين معه من حوله، ممن يعدهم لتحمل مسؤوليات إدارية في المستقبل، ليصبح نهجه متوارثاً فيما بينهم، وليتحول الدور المنوط به من تحديد الإجراءات التي يجب على كل فرد القيام بها، إلى مساعدة الآخرين على اكتساب المهارات التي من شأنها تحقيق أكبر قدر من الاستفادة التي تعود بالنفع على فريق العمل. لذا فإن الفهم الخاطئ لمفهوم المسؤولية واتباع أسلوب القيادة بالبطش أو الترويع أو التأنيب الدائم أو التلفظ بكلمات يحاسب عليها القانون، يصبح هو البديل السيئ لكل المفاهيم الإدارية الصائبة.
إن دور القيادة الحقيقية في أية مؤسسة، ليس هو الاختيار من بين البدائل المطروحة أمامه لإصدار قرار فحسب، ولكن من الأهمية بمكان أن يكون المدير صاحب فكر رائق ودراية تمكنه من إصدار القرار المبدع، الذي قد يفوق كل ما هو معروض أمامه، كما أن المدير الحقيقي هو الذي يساعد على تهيئة المناخ المناسب لتحقيق الإنجاز، ويتلمس الأفكار المبدعة لدى العاملين معه، مهما كانت درجاتهم على السلم الوظيفي، والاستجابة لها دون غضاضة ما دامت فيها مصلحة عامة. حدث هذا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائد الأول، في غزوة بدر حين نزل على رأي أحد جنوده بتغيير موقع جيش المسلمين خلف آبار المياه، ما دام الأمر فيه رأي وليس توفيقاً من عند الله، فغير الرسول الكريم موقع جيش بأكمله، لأنه أنصت إليه ولم يستخف بقول جندي لم تتحدث عنه السيرة النبوية سوى في هذا الموقف، فكان النصر حليفاً للمسلمين.
إلا أن بعض المديرين لا يفصلون بين ذواتهم وبين آرائهم، ويعتبرون مناقشة آرائهم جريمة كبرى، ليس لها جزاء إلا البطش والتنكيل أو الاستبعاد والتهميش، ومن يناقشها هو من مثيري الفتن، لأن النقاش هو الباب الأكبر للفتنة، في حين أن التاريخ الإداري لمؤسساتنا العربية لم يصب بآفة أكبر من بطانة السوء المحيطة بالمدير، التي تصور له أن ما ينطق به هو الحق دائماً، وأن ما يدونه قلمه أياً كانت قيمته هو رسم لمستقبلهم، وأن استشارة غيره من العاملين معه عند اتخاذ القرار هو ضعف لا ينبغي أن ينزلق إليه، بل إن غلظته وجفوته والتهديد الدائم لمن حوله، هو الوقود الذي ليس له بديل لإنجازهم أعمالهم، وهو القوة والمهابة التي تدفعهم لبذل المزيد، وأنه يجب أن يحضر الاجتماعات دائماً متأخراً بعد أن يحضر من دونه درجة، ليستشري هذا الداء في مفاصل المؤسسات كما تستشري النار في الهشيم، ولتصبح المؤسسات كذلك بما تعكسه من مشكلات على المشروع الوطني بأكمله.
لقد استوقفني لقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في قصر البحر، بشرائح مختلفة من المسؤولين في مؤسسات الدولة، والذي لم يقتصر على وكلاء الوزارات ورؤساء ومديري الإدارات والمؤسسات الاتحادية، بل ضم اللقاء حشداً من الموظفين من الصفوف الثاني والثالث والرابع، والذي يعطينا دلالة كبيرة على إدراك القيادة الرشيدة للدور المنوط بكل مسؤول مهما كانت أعباؤه، لأن الفكر الاستراتيجي والسياسة العامة مهما كان بريقها وتناسق جوانبها، لم ولن تنجح ما لم يتم تنفيذها بدقة وإخلاص من القواعد المعنية بذلك، وهنا يأتي دور الصف الثاني والثالث.
كما أن التوجيه بأن يكون المراجع والمتعامل مع كل المؤسسات هو الهدف والغاية، سواء في طريقة استقباله أو في طيب الكلمة وسرعة الإنجاز، لأن هذا من صلب عاداتنا العربية والإسلامية الأصيلة، وهو نهج ينبغي وضعه نصب أعيننا، لأن الوطن هو الباقي وتقدم الدول لن يكون بغير صلاح مؤسساتها، وصلاح المؤسسات معدوم بغير قيادات تسير بقوة المنطق، لا بمنطق القوة.. لذا فإذا رأيت صلاحاً في أية مؤسسة أو اعوجاجاً، فلتفتش أولاً عن المدير.