يبدو أن السياسات التي تقوم بها وزارات الدولة مشكورة، لمتابعة قضية ما وضع الاستراتيجيات لحلّها، لا تتوافق مع سياسات فضائياتنا المترامية، وخاصة المحلية منها، لذا نجدها أبعد ما تكون عن مناقشة هذه القضايا، بل تمضي بالسير وفق خططها وبرمجتها التي لا تخرج عن ثلاثة أضلاع رئيسية مملة، هي المسلسلات، برامج الترفيه، والضلع الأخير موزع بين خلطة من البرامج ذات الطابع الديني والسياسي والاقتصادي وغيرها.. ونحن نعيش في جو ملبد بالكثير من الهموم والمشاكل، يفاجئنا هذا الكم من المشكلات الصحية التي تواجه مجتمعنا، وتنذر بمستقبل غير سار لهذه الأجيال التي لا تعلم عن الألغام التي يمكن أن تطأها أقدامها بين لحظة وأخرى، ولعل من أبرزها وأهمها، ومن وجهة نظر علمية، الكثير من الأمراض التي تتفرع من إصابتنا بهذا المرض الفتاك الذي يعرف «بالسكري»، والذي لا نجد له في فضائياتنا أي نصيب من التوعية أو الإرشاد لكيفية التعامل معه.
فالمطلع على خطة وزارة الصحة في دولة الإمارات، والخاصة بمكافحة مرض السكري، يكتشف أنها تركز على المرحلة التي تعقب الإصابة بهذا المرض. فرغم أنها قد وضعت نصب عينيها خطة للوقاية من الإصابة به، إلا أن الملموس حتى هذه اللحظة لا يتوافق مع هذه الاستراتيجية، فكيف يمكن أن يتعرف المجتمع على أخطار هذا المرض ونتائجه الوخيمة في غياب برامج وطنية تتبنى هذا الهدف في جميع وسائلنا الإعلامية؟!
المعروف أن مرض السكري بحاجة إلى مواكبة يومية، وتفرغ كبير للتصدي لكثير من الحالات والأسئلة التي تحيط بمريض السكري، سواء كان شابا أو مسنا أو امرأة حاملا أو طفلا، ويقع كثير من المصابين في أخطاء طبية نتيجة عدم معرفتهم بالتشخيص المتنامي لحالاتهم التي يمكن أن تتبدل كل يوم، نتيجة ارتفاع أو انخفاض نسبة السكر في الدم، ناهيك عن الحيرة التي يقع فيها مريض السكري بسبب هذا التذبذب، والتي يمكن أن تؤثر مباشرة على صحته، نتيجة جهله أو لعدم وجود من يقدم له إجابات سريعة على هذه الحالة أو تلك. لذلك يفقد كثير من المصابين حياتهم بسبب تأخر الاستجابة لهذه المستجدات، خاصة بين الناس الأقل وعيا من المسنين الذي لا يعرفون كيف يتواصلون مع وسائل المعرفة، ولا يتسنى لهم الوقت كي يذهبوا إلى الطبيب، خاصة وأن هذا المرض يمكن أن يفتك بالمصابين به في غفلة من الزمن.
وفي السياق ذاته، فإن بعض الأطباء الذين شاركوا في حملات الصحة للوقاية من مرض السكري، أكدوا في مرحلة سابقة أنه رغم الجهود العديدة التي تبذلها وزارة الصحة والمؤسسات الصحية في الدولة للتخفيف من حدة تزايد معدلات الإصابة بالسكري والحد من مضاعفاته، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة، بل وتتفاقم، ليس فقط على مستوى دولة الإمارات، بل وعلى مستوى دول الخليج والدول العربية عامة، وما زالت هناك حاجة للمزيد، وخاصة في ما يتعلق بمجالات الوقاية والتدخل المبكر.
ويؤكد جميع الاختصاصيين على أن هناك عدة أسباب تقف وراء زيادة معدلات الإصابة بمرض السكري في الإمارات، وكذلك في الدول الخليجية الأخرى، ومنها تغير الأنماط المعيشية التي تعتمد على عدم الحركة والنشاط الرياضي، والاعتماد على الأطعمة المشبعة بالدهون، ومنها الوجبات السريعة، إضافة إلى عوامل أخرى ترتبط بالعوامل الوراثية والجينية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو؛ كيف تتعامل وزارة الصحة مع هذه الأسباب التي تسيطر على حياة الناس وتحاول أن تضع الاستراتيجيات لمواجهتها؟
إن اليد الواحدة لا تصفق، فالمطلوب ليس مراكز صحية جديدة متخصصة، بقدر ما نحن بحاجة لخطة وطنية شاملة، لأن النسب الفظيعة التي تؤكد إصابة سكان دولة الإمارات بمرض السكري، ستستنزف قريبا كل ميزانية الوزارة، خاصة وأن هذا المرض يؤدي للإصابة بأمراض الكلى والقلب، ناهيك عن حالات الإعاقة التي قد تحول الإنسان السوي إلى قوة معطلة في المجتمع، وخاصة في ظل الحقائق التي كشفتها منظمة الصحة العالمية، والتي حذرت من تزايد معدلات الإصابة بمرض السكري في الدولة، حيث أشارت إلى تزايد أعداد المصابين به، وأنه مرشح للتضاعف خلال العشرين سنة المقبلة، مشيرة إلى أن التقديرات الحالية للمصابين في الدولة تقدر بنحو 350 ألف إصابة، سترتفع إلى 684 ألف إصابة في عام 2030، وذلك إذا لم تتخذ الإجراءات الكافية للحيلولة دون ذلك. ومن ناحية أخرى، بينت إحدى الدراسات التي نشرت مؤخرا حول مدى انتشار السكري في دول العالم، أن «جزيرة ناورو» الواقعة في المحيط الهادئ، وتبعد عن أستراليا نحو 4 آلاف كيلومتر، جاءت في المرتبة الأولى بنسبة 30,7٪، تليها دولة الإمارات في المرتبة الثانية بنسبة 5,19٪، وبعدها المملكة العربية السعودية بنسبة 16,7٪، أما البحرين فتأتي في المرتبة الرابعة بنسبة 15,2٪ والكويت بنسبة 14,4٪.
المؤشرات مخيفة، خاصة إذا توجهت إلى أي مستشفى ووجدت أن أغلب مرضى العناية المركزة أو وحدات غسيل الكلى، هم في الحقيقة مرضى سكري أوصلتهم التداعيات في الصحة إلى هذا المآل، لأن الجهل بحقيقة هذا المرض يمكن أن يفشل أية خطة طموحة من قبل وزارة الصحة. لذا من المهم أن تتكاتف جهود الإعلام مع برامج الوزارة، للحد من الإصابة بهذا المرض، ولا بد أن يفرّغ فريق طبي للتوعية على مدار العام، وتفتح قنوات اتصال مع الجمهور عبر هذه الوسائل، ولن تكفي الشعارات ما دام استفحال المرض مستمراً ومتزايداً.