عودة مرة أخرى للتناقض والتباين في التصريحات الصادرة من القيادة في روسيا، هذا التباين الذي اعتدنا عليه منذ وصول الرئيس ديمتري ميدفيديف لكرسي الحكم في الكريملن، وانتقال الرئيس السابق بوتين لمنصب رئيس الحكومة. فقد لاحظ المراقبون بوضوح أنه عادة ما تأتي تصريحات الاثنين متباينة أو مختلفة في كثير من القضايا، وخاصة القضايا التي تهم الغرب وواشنطن بالتحديد.
وقد ظهر هذا بوضوح في قضية الملف النووي الإيراني الذي اتسمت فيه تصريحات الرئيس ميدفيديف بالحدة والصرامة تجاه إيران، وخاصة في مجال تأييد العقوبات الدولية علي طهران، كما ظهر التباين في التصريحات بين رأسي السلطة بوضوح، في قضية رجل الأعمال الروسي ميخائيل خودركوفسكي المسجون في روسيا بتهم الفساد والتهرب من الضرائب، والذي تطالب لندن وواشنطن بالإفراج عنه. وقد بدا من تصريحات الرئيس ميدفيديف أنه متعاطف معه إلى حد كبير، بينما وصفه رئيس الوزراء بوتين بأنه «لص مكانه السجن»، وحكمت المحكمة على خودركوفسكي بالسجن مدة أربعة عشر عاما، ما اعتبره البعض انتصارا لبوتين على ميدفيديف.
الآن، وفي ظل تصاعد الأحداث في الشرق الأوسط، وخاصة في ليبيا، يأتي التباين بين تصريحات رأسي السلطة في روسيا ليربك الجميع، بل ويحدث بلبلة وجدلاً واسعين، وكأن الناس ضجرت وملٌت من هذه «المسرحية الهزلية»، على حد وصف البعض لها، حيث صدرت عن الكريملن تصريحات قاسية وحادة للغاية ضد نظام العقيد معمر القذافي، وذلك قبل أن يصدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 بفرض الحظر الجوي على ليبيا. فقد أعلن في وسائل الإعلام الروسية والأجنبية عن صدور مرسوم رئاسي من الكريملن، يفرض عقوبات شخصية على العقيد القذافي وعائلته وشخصيات ليبية أخرى ومنع دخولهم الأراضي الروسية، ونشر بعض الصحف ووسائل الإعلام خبرا يقول ان الرئيس ميدفيديف وقع هذا المرسوم صباح الثلاثاء 15 مارس، وانتظر الجميع هذا المرسوم في الصحف ووسائل الإعلام الرسمية ليعرفوا تفاصيله، لكن المفاجأة أن المرسوم لم تنشره أية وسيلة إعلام رسمية! وذهب البعض إلى القول بأن المرسوم صدر عن الكريملن، لكن رئيس الوزراء بوتين منع نشره. وهذا في الواقع غير صحيح بالمرة، خاصة وأن وكالات الأنباء الروسية الرسمية نشرت خبر صدور المرسوم، لكنها نسبته لوسائل إعلام أجنبية ومستقلة، ولم تنسبه للكريملن، وحتى الآن لا يعرف الناس بالضبط هل صدر هذا المرسوم أم لا؟ وإن كان بعض المسؤولين يؤكدون صدوره.
ثم جاء قرار مجلس الأمن 1973 بفرض الحظر الجوي على ليبيا، والذي تطور لعمليات عسكرية وقصف لمناطق سكنية، وقد امتنعت روسيا عن التصويت على القرار، مما أدهش الكثيرين وجعلهم يتساءلون؛ كيف يصدر هذا المرسوم الحاد من الكريملن ضد القذافي وعائلته، وهو الإجراء الذي لم تفكر واشنطن ودول أوروبا في اتخاذ مثله، بينما تمتنع روسيا عن التصويت على قرار فرض الحظر الجوي؟
وانفجرت مشكلة تباين وتناقض التصريحات بين رأسي السلطة الروسية، بعد تصريحات رئيس الوزراء بوتين الحادة التي وصف فيها الحملة العسكرية الغربية على ليبيا بأنها «حملة صليبية» واعتداء على سيادة دولة مستقلة، وقال بوتين إنه «مهما كان رأينا في سياسة القذافي، فإن ذلك لا يمنحُ الدولَ الأجنبيةَ الحقَ في التدخل في النزاعات السياسية الداخلية، بهدف ترجيح كفة أحدِ الطرفين المتخاصمين». وأعرب بوتين عن قلقه من السهولة التي تَتخِذ بِها الولاياتُ المتحدة قراراتِها بشأن استخدام القوة على الساحة الدولية، حيث قال: «إن التدخل في شؤون الغير، بات منهجا ثابتا في السياسة الأميركية».
هذه التصريحات من بوتين اعترض عليها الرئيس ميدفيديف، فاشتعلت الساحات الإعلامية حول الخلافات بين رأسي السلطة في روسيا، رغم أنه لو دققنا سنجد أن ميدفيديف لم يعترض سوى على كلمة «حملة صليبية»، معتبرا إياها مؤججة لصراع الحضارات، لكنه لم يعترض على باقي تصريحات بوتين. لكن ما زاد حيرة الكثيرين، هو أن بوتين أجاب عن أسئلة الصحافيين في هذا الشأن قائلاً: «لقد عبرت عن رأيي الشخصي، أما الموقف الرسمي لروسيا فيصدر فقط عن الرئيس ميدفيديف». هذا التصريح من بوتين لم يحسم المشكلة، حيث جاءت كافة التصريحات من الجهات الرسمية داخل روسيا، مطابقة إلى حد كبير لتصريحات رئيس الوزراء بوتين، بما فيها تصريحات الخارجية والبرلمان الروسي، وحتى أحزاب المعارضة الروسية. هذا الأمر وضع الكريملن والرئيس ميدفيديف في وضع محرج تداركته الحكومة بسرعة، فخرج ديمتري بيسكوف المتحدث باسم رئيس الوزراء بوتين، ليصرح للصحافيين بأن تقييم بوتين الأخير للوضع في ليبيا يعبر عن وجهة نظره الخاصة، وأن موقف الرئيس ميدفيديف هو الموقف الرسمي الوحيد لروسيا الاتحادية، كما صرح بوتين بعدها مباشرة بأنه لا تباين بينه وبين الرئيس ميدفيديف في السياسة الخارجية، موضحا أن رئيس الدولة هو من يحدد السياسة الخارجية للبلاد.
السؤال المطروح عادة في هذا الموقف هو؛ هل هناك خلافات بين رأسي السلطة في روسيا؟ والإجابة عندنا هي النفي القاطع، بل هي سياسة متفق عليها، والهدف منها هو تحقيق أكبر قدر من المكاسب وأقل قدر من الخسائر على الساحة الدولية، وخاصة في العلاقات مع واشنطن والأوروبيين. وهذه السياسة بالفعل تحقق فوائد كثيرة لروسيا على جميع المستويات، وتعطي مبررا كبيرا للأوروبيين الذين يرغبون في التقرب من روسيا والتعاون معها، ويخشون غضب واشنطن، أن يتقربوا من روسيا دون قلق، كما أنها تكسب روسيا نقاطا كثيرة في أماكن مختلفة من العالم، وهذا ما نراه في إيران، وربما نراه قريبا في ليبيا والشرق الأوسط.