تشهد المنطقة العربية منذ بداية العام الحالي تطورات ديناميكية كبيرة كان لها تأثيراتها على الدول الخليجية التي لم تكن بمعزل عن ما يدور من حولها. لكن كما يقال رب ضارة نافعة، حيث أن تداعيات تلك التطورات أوضحت للدول الخليجية العديد من الحقائق وأبرزت دروساً من المفترض أن يتم الاستفادة منها خلال المرحلة القادمة. ولعل أبرزها حقيقة أن العمل الخليجي المشترك ليس مجرد مصلحة بل هو مصير يجمع الدول الخليجية الست الأعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي. وعليه فإن العمل الخليجي المشترك يجب أن يعزز وتكرس له الطاقات من أجل ترسيخ أركانه وتعزيز ثوابته.

وأن لا يترك للأزمات كي تبث فيه روح الحياة. فالعمل الخليجي في كافة المجالات السياسية والاجتماعية والأمنية والعسكرية والاقتصادية لا بد أن تعطى الأولوية وتبث فيه روح جديدة قوامها العمل على تجاوز الخلافات وبدء مرحلة جديدة من العمل الخليجي المشترك القائم على المصير الواحد لا المصالح المختلفة. وهذا يتطلب من الدول الخليجية أن تكون يداً واحدة في مواجهة التهديدات، ولسانا واحدا في التعامل مع القضايا الخليجية، وأن لا يتم تغليب المصلحة الفردية على المصير المشترك. فمن المفترض أن يكون المصير المشترك هو عنوان المرحلة القادمة من عمر مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

كما أن تلك التطورات أوضحت بأن دول منظومة مجلس التعاون الخليجي هي دول مستهدفة، فهذه الدول تملك من الموارد الطبيعية والإمكانات التنموية ما يجعل الآخرين يضعونها على قائمة أولوياتهم. لذلك فعلى دول المنطقة الخليجية أن تحذر من لا يريدون للمنطقة الأمن والاستقرار والنجاح في التنمية، باعتبار أن ذلك يعتبر مهدداً لأمنهم واستقرارهم بل ومنافسا لمشاريعهم الإستراتيجية. فبينما دول الخليج العربية ترفع لواء المشروع الحضاري التنموي في المنطقة العربية فإن هناك دولا أخرى غير عربية ترفع لواء المشروع الحضاري الرجعي الذي قوامه المواجهة مع العالم الرافض لفكرها.

بل أنها ترفع حتى لواء التهديد لأمن واستقرار الدول الخليجية من خلال اللعب على ورقة الطائفية، التي لا محل لها في دول المنطقة الخليجية إلا أنها استطاعت ومن خلال عملائها المندسين داخل المجتمعات الخليجية أن تبث محاولات التشقق والفرقة والصدام مع أصحاب المذهب الآخر، بهدف تحقيق مصالحها وأهدافها التي لا تحقق صالح أبناء شعوب الدول الخليجية بمختلف مذاهبهم.

كما أوضحت تلك التطورات حقيقة أن الدول الخليجية لا يمكن أن تظل من دون حراك وتطوير على المستوى الداخلي لكل دولة. فبينما دول عربية في المنطقة تدخل«الموجة الرابعة» من الإصلاح السياسي فإن دول المنطقة الخليجية مازالت متراجعة بشكل كبير. وبالتالي فإن التطوير السياسي المدروس من خلال إشراك المواطن في عملية صنع القرار أمر ضروري للمحافظة على خصوصية الأنظمة السياسية القائمة في المنطقة الخليجية. ويجب أن لا تتخوف الأنظمة الخليجية من مثل هذا التطوير.

فهذه الكويت أحدثت إصلاحات سياسية منحت مجلس الأمة صلاحيات تشريعية واسعة، إلا أن ذلك لم يهدد النظام السياسي بل عزز من قوة وصلابة العلاقة القائمة بين الشعب والنظام الحاكم. لذلك فعلى الدول الخليجية أن تستمر في عملية تطوير نظامها السياسي بشكل يسمح لمزيد من المشاركة السياسية لمواطنيها، ويحقق التنمية السياسية في البلاد، ولعل الدول الخليجية قد بدأت فعلياً في هذا المجال واستطاعت بحكمة أن تعطي تلك الإصلاحات حيزا هاما على قائمة أولوياتها مما يُكتب لصالحها.

كما أوضحت تلك الأحداث الحاجة إلى تطوير مفهوم المواطنة في المجتمعات الخليجية. لقد أنعم الله علينا في دول الخليج بشعوب مرتبطة بحب وولاء لدولها، وإخلاص وتفان لأنظمتها. وهذا مكسب عظيم لا بد المحافظة عليه عن طريق تعزيز المواطنة وممارستها الحقيقية على أرض الواقع. فالمواطن هو ابن البلد بغض النظر عن خلفيته العرقية والمذهبية والفكرية، فالكل سواسية أمام القانون في الحقوق والواجبات. لذلك فعلى الجميع أن يحس بهذه الروح من خلال ممارساته اليومية في مجتمعه. فلتكن المرحلة القادمة مرحلة تعزيز هذا الأمر فكراً وممارسة في كافة الدول الخليجية.

بالإضافة إلى ذلك فإن الأحداث أبرزت الحاجة أيضاً إلى الاهتمام الأكبر بالتنمية البشرية وأن تكون هي المرتكز الأول لبناء الإنسان في المجتمعات الخليجية، لذلك فعلى الجهود التنموية أن تتجه نحو تنمية حياة الإنسان من خلال توفير احتياجاته الضرورية من مسكن ووظيفة بالإضافة إلى التعليم والصحة. ولعل القدرات المادية والحمد لله متوفرة في الدول الخليجية لذلك فلابد أن يتم الاستثمار في هذا الجانب حتى نرفع من مكانة المواطن الخليجي ولا يكون أسير مطالب من المفترض أن لا تترك حتى تصل إلى أن تصبح مشاكل.

لقد قطعت الدول الخليجية مشوارا طويلاً وناجحاً في مجال تنمية مجتمعاتها، وهو ما يحسب لصالح قيادتها السياسية التي تمكنت من تحقيق ذلك من خلال الاعتماد على أسس الحكم الرشيد القائم على فلسفة التوزيع المنصف للثروة والابتعاد عن الفساد. وإن كان هناك من مجال لطرق مزيد من مثل تلك الانجازات على المستويين الخليجي والمحلي خلال المرحلة القادمة، فإننا على ثقة كبيرة بان القيادة السياسية الخليجية لن تتوانى عن فعل ذلك.