ليس كعادتها، وخروجاً عن سياسة فرنسا الحذرة منذ عهد الاستقلال في المنطقة المليئة بالمخاطر، دخلت فرنسا عهد الرئيس نيكولا ساركوزي عصراً جديداً في الشؤون الشرق أوسطية وهذه المرة بشكل قوي جدا.

اتخذ زعماء فرنسا منذ عهد شارل ديغول ثم بومبيدو وبعده فاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران وجاك شيراك عهدا أن يحافظوا على توازنهم الحذر في المشي على حبل الشرق الأوسط المعلق بين السماء والأرض. ولم يجرؤ أحد منهم أن يلعب بالذات مع العرب لعبة القط والفأر، لعلمهم بمدى خطورة هذه الأرض الملغمة بكل أنواع المخاطر.

الشرق الأوسط ليس أوروبا ودون غيره من شرق العالم، يتميز باتساع الرقعة، وتنوع الإثنيات واختلاف اللهجات والعادات والتقاليد ووجود ثلاث ديانات رئيسية تعيش في حالة من الهيجان على مساحاته الشاسعة، واختلاف في الألوان والسياسات وأنظمة الحكم الذي يتدرج بشكل عشوائي ما بين الملكية والمشيخة والجمهورية وما بين النظام الوراثي والدستوري والديمقراطية والديمقراطية غير النافعة، وهناك في زمن الحاضر يوجد الصراع العربي الإسرائيلي المزمن، وهو في الحقيقة صراع ليس فقط على من يملك الأرض بل صراع بين ديانتين قديمتين قدم التاريخ: اليهودية والإسلام، ودخلت المسيحية على الخط تحت حجة تحرير العرب من الأنظمة البائدة، بينما غرضها الأساسي هو حماية مصالحها من خلال مسمار جحا المسمى دولة إسرائيل، وتقليص حجم وانتشار الإسلام في العالم.

والمنطقة ليس مجرد علاقات دولية على مستوى البعثات الدبلوماسية. وكنا نتمنى لو كان الأمر كذلك. وإنما هناك أرث للصراع المسيحي الإسلامي منذ الحملات الصليبية. ولذا نجد أن معظم من يرفض التدخل الأجنبي يعيد تذكيرنا في كل مرة باستمرار الحملات الصليبية منذ القرن الثاني عشر. وقد سمعنا العزف مرارا وتكرارا على لحن هذه النغمة أثناء الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق. بل أن منهم من فسر هجمات الحادي عشر من سبتمبر بأنه جزء من لعبة مفبركة تعطي من خلالها الدول الغربية لنفسها الحق في غزو بلاد المسلمين بحجة محاربة الإرهاب. أي أنها كانت بالنسبة لهم ككلمة حق يراد بها باطل. مع أن النتائج لم تكن سارة جدا للطرفين. ثم توسع استخدام مصطلح الإرهاب حتى بات العرب يستخدمونه على أنفسهم حينما تتضارب أو حتى تتعاكس مصالحهم فيما بين أبناء جنسهم. واختلط المسلم بالإرهابي، وأهدر دم المسلمين في كل مكان، وحق لأي جيش سواء كان جيش الولايات المتحدة الأميركية أم جيش فرنسا أن يرمي بالنار من لم تتفق مصالحه مع الآخر.

وهذا يدل على أن العلاقات التاريخية يجب أن توضع في الاعتبار قبل أي عمل عسكري قد يوجه للمنطقة التي يشكل المسلمون أغلبيتها الغالبة. وهذا ما يجعل الدخول في حزام منطقة الشرق الأوسط بالأمر المعقد جدا.

وربما يغيب عن بال العديد من زعماء العالم الذين لم يقرؤوا تاريخ وجغرافية ومناخ المنطقة بشكل مفصل وأرادوا المغامرة فيه بجيوشهم وقواتهم العسكرية، بأن المنطقة أشبه ما تكون بالطريق الزلق والمليء بالمفاجآت والأحداث غير المتوقعة. وأن السير في مثل هذه الطرق يحتاج ليس فقط إلى الحذر والقوة وإنما قبل كل شيء إلى الدراية بمسالكها وشعبها و(زنقاتها)! وكما يقول المثل: أهل مكة أدرى بشعابها، لذا فإن الغرباء مهما استخدموا من أدوات متقدمة للسير فيها، فإن ذلك لا يقيهم شر السقوط في العديد من فوهات البراكين المشتعلة في باطنها والتي يصعب الخروج منها. وهذا ما حدث للأسف لجيوش الولايات المتحدة الأميركية سواء في أفغانستان أو العراق أو لبنان. وقد تعلم الأميركيون دروسا مهمة جدا في مواجهة حرب العصابات التي تعرضوا لها سواء في أفغانستان أو العراق أو لبنان. حيث ان هذه الشعوب لا تملك تقنية الصواريخ العابرة للقارات، ولكنها تعرف كيف تختبئ في كهوف الجبال وبين أزقة البيوت المتراصة وتحتمل البرد القارص ودرجات الحرارة العالية.

لا أحد ينكر أن فرنسا مدربة جدا على الدخول في معارك منظمة منذ تجربة استعمارها للجزائر وبعض دول افريقيا ودخولها في حرب فيتنام. واستفادت كثيرا في السابق من أساليب حرب العصابات وكيفية التصدي لها. مع ذلك خرجت خاسرة وسلمت الأمور لأصحابها. غير أن جيش فرنسا في القرن العشرين ليس هو جيشها في القرن الحادي والعشرين. واختلفت ظروف المنطقة برمتها، وبرزت فيها أقطاب قوى إسلامية لم تكن موجودة بهذا الزخم والوزن والخطورة في السابق ومنها تركيا وإيران وأحزاب مقاومة أخرى كحزب الله في لبنان وحماس في غزة. إضافة إلى منظمات لا تعترف إلا بالعنف في إعادة رجحان كف ميزان الإسلام في صراع المنطقة، كتنظيم القاعدة على سبيل المثال. ولكل هؤلاء خيوط ممتدة في كل مكان. فهي في السودان كما هي في اليمن، وفي ليبيا كما هي في العراق. فهل وضعت فرنسا حساباتها لمواجهة كل هذه الاحتمالات الصعبة؟