كان من أسباب إخفاق النهضة العربية. عدم وجود حامل اقتصادي ـ اجتماعي لها، عكس النهضة الأوروبية التي قامت على أكتاف البورجوازية الناشئة في ذلك الوقت، فحملت معها قيمها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وموقفها من الدولة ومفاهيمها، ومن النظام الاجتماعي السياسي الجديد في حينه، فأسقطت النظام الإقطاعي وإماراته ودويلاته، وألغت الحدود والرسوم بينها، وأقامت (الدولة ـ الأمة) في البلدان الأوروبية، وأعطت لهذه الدولة مفاهيم جديدة لم تكن متوفرة في دويلات الإقطاعيات والدوقيات.

وعلى رأس هذه المفاهيم اعتبار المواطنة مرجعية وحيدة، وتبني الحرية والديمقراطية، وتداول السلطة وفصل السلطات. وهكذا استطاعت البورجوازية الأوروبية أن تحقق النهضة الأوروبية والحداثة، وأن تقيم نظاماً جديداً ودولاً جديدة شكلاً ومضموناً. لم يتسن لحركة النهضة العربية وجود مثل هذه البورجوازية، ورغم تحقق شروط أساسية أخرى لقيام النهضة، إلا أن عدم مشاركة البورجوازية الوطنية في حملها كان سبباً رئيسياً في إخفاقها، ولم يتح الحكم الإقطاعي التركي الفرصة لقيام بورجوازية عربية لها صناعاتها وتجارتها ونظامها الرأسمالي وآليتها الاقتصادية، ومفاهيمها السياسية والقيمية، فبقيت هذه البورجوازية ضعيفة غير مؤثرة، لا تمتلك القوة الجدية لإنجاح النهضة، واقتصر وجودها على نشاط بعض المثقفين والمفكرين والمتنورين الإسلاميين والليبراليين والقوميين الأفراد، دون توفر الشروط الأخرى الاقتصادية والاجتماعية الضرورية التي وفرتها البورجوازية الأوروبية.

مما أدى مع غيره من الأسباب إلى إخفاق النهضة العربية التي انطلقت في القرن التاسع عشر وخمدت، ولما استأنفت نشاطها في النصف الثاني من القرن العشرين، بعد استقلال معظم البلدان العربية، قطعت الانقلابات العسكرية نمو البورجوازية الوطنية، وسدت عليها الطريق، تحت شعارات قومية، وسخّرت هذه الانقلابات الأحزاب القومية للحصول على الشرعية وبناء أنظمتها الخاصة، ونادت بشعارات الاشتراكية والقومية والوحدة وغيرها كبديل عن سلوك التطور الاجتماعي ـ الاقتصادي الطبيعي وعن إقامة الدولة الحديثة، مما أدى، خلال بضعة عقود، إلى تدمير البورجوازية الوطنية والطبقة الوسطى التي كانت ناشئة وتلاشيهما، وأصبحت أنظمة الحكم في النهاية شمولية صرفة، وشراكة بين العسكر والبيروقراطيين والأغنياء الجدد، ولم يعد للطبقة الوسطى وجود لا كطبقة تملك شروطاً اقتصادية واجتماعية وثقافية، ولا كأفراد لهم ثقافة سياسية متوازنة.

وهكذا تم تهميش البورجوازية الوطنية وبقايا الطبقة الوسطى، وانقسم المجتمع إلى طبقتين إحداهما طبقة الفقراء فاقدة القدرة والقوة وثانيتهما مؤلفة من الحكام وأغنياء الصفقات والفاسدين، وهيمنت هذه الفئات على الحكومة والدولة ومؤسساتهما، والبلاد واقتصادها، والمجتمع وحراكه، وبنت دولتها الشمولية المعولمة التي أصبحت تشكل جزءاً تابعاً لآلية الاقتصاد الرأسمالي والمالي العالمي، وجعلت حقوق المواطنة حكراً عليها، وحرمت الشعب كله من حقوقه وخاصة حقه بالحرية والعمل والرقابة وتداول السلطة، وصارت معظم أنظمتها السياسية بفضل القهر والاستبداد والعسف على هذه الصيغة التي شوهت المجتمعات، ومنعتها من إصلاح نفسها، وأتاحت لها استباحة المال العام وثروات البلاد، وولغت في الاستبداد والقهر، وهدر كرامة المواطن، وهضم حقوقه.

واستمرت بتطبيق التنمية غير المتوازنة في مختلف جوانب حياة المجتمع، وانحطت البلاد ومجتمعاتها وقيمها ومقدراتها وقدراتها، حتى غدت عاجزة عن فعل أي شيء، خاصة وأن من صفات أفراد هذه الطبقة الحاكمة أعني (الشموليين والبيروقراطيين والأغنياء الجدد) فقدان ثقافة الديمقراطية والحرية وعدم الحرص على الوطن ومستقبله، أو احترام مصالح الشعب، ولذلك انحط مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي في البلدان العربية إلى درجة كبيرة وكأنها لم تبارح عصور الانحطاط، وقد صار واضحاً استحالة الإصلاح الجدي وإعادة بناء المجتمع دون إحياء الطبقة الوسطى وتنميتها والاعتماد عليها، لأنها الوحيدة القادرة على إزالة الخلل وبناء المجتمع الحديث، وإنجاز التنمية، وإقامة الدولة الديمقراطية، واللحاق بركب التطور الإنساني.

نجحت الطبقة الوسطى وخاصة البورجوازية الوطنية ومثقفوها من محامين وأطباء وكتاب وفنانين ونخب وطلاب وغيرهم، في تحقيق الانتفاضة في تونس وفي مصر، وانسجاماً مع مفاهيم هذه الطبقة وقيمها كانت كل من الانتفاضتين سلمية وديمقراطية، فنادت بشعارات معتدلة تخلو من الصراخ والتهاون، ولم تبهرها الشعارات الثورية المتطرفة، أو تمظهرات معاداة الإمبريالية، وكانت ثورة ديمقراطية واقعية وطنية مسالمة، تعترف بحقوق الإنسان، وبالعدل والمساواة، وبسيادة القانون، ولذلك نجحت انتفاضاتها في كنس الأنظمة القائمة بسهولة غير متوقعة، وبدأت ترسم ملامح الأنظمة الجديدة التي تستوفي أسس الحداثة والنهضة ومفاهيم الدولة العصرية، ولاقت تأييداً شعبياً واسعاً.