لا يكاد يمر عام واحد لا تستعرض فيه الطبيعة إحدى قواها المدمرة: زلزالاً أو إعصاراً أو فيضاناً أو بركاناً أو موجة صقيع أو موجة جفاف أو...، لتذكر الإنسان بعجزه وقصوره عن دفعها. اليابان كانت آخر المسارح التي اختارتها الطبيعة لاستعراض إحدى قواها هذه.

الزلازل ظاهرة طبيعية تتعرض لها الأرض منذ أقدم العصور، وهي تختلف من حيث شدتها ومقدار الطاقة المتحررة عنها، وبالتالي حجم التدمير الذي تحدثه. تحدث الهزة الأرضية حين تنطلق طاقة معينة بشكل مفاجئ في القشرة الأرضية، ينشأ عنها اهتزاز موجي تتناسب شدته مع شدة هذه الطاقة. فهناك ما يقرب من ثمانية آلاف هزة أرضية تقع في اليوم الواحد، إلا أنها غير محسوسة لأن شدتها تقل عن ثلاث درجات على مقياس ريختر، في حين تسبب الهزات التي تزيد على سبع درجات على هذا المقياس، أضراراً جسيمة. أما الهزات التي تقع شدتها بين ثلاث درجات وسبع درجات، فتحدث أضراراً محدودة.

وُضع مقياس ريختر لقياس شدة الموجات السيسمية (الزلزالية)، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان، في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، وهو مقياس رقمي لوغارتمي؛ فالهزة الأرضية التي شدتها خمس درجات على هذا المقياس، تعادل عشرة أضعاف الهزة الأرضية التي شدتها أربع درجات على المقياس نفسه.

اليابان أكثر دول العالم تقدماً في تقنيات التنبؤ بحدوث الهزات الأرضية، وأكثرها خبرة في طرائق تفادي الأضرار المترتبة على وقوعها، وأكثرها تأقلماً مع متطلبات مواجهتها. من جانب آخر، هي أيضاً أكثر دول العالم خبرة في التعامل مع تداعياتها عند حدوثها، على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، وذلك لأنها أكثر بلدان العالم تعرضاً لهذه الهزات.

الحقيقة أن الكارثة التي أحاقت باليابان مؤخراً، هي كارثة مركبة ابتدأت بهزة أرضية هي الأكثر شدة في تأريخ اليابان، حيث بلغت شدتها تسع درجات على مقياس ريختر، أعقبها تسونامي بلغ فيه ارتفاع الموجات المائية، التي تحمل أطيان قعر المحيط، ما يقرب من عشرة أمتار تسير بسرعة تقرب من ‬600 ميل في الساعة، وهي سرعة تقارب سرعة الطائرات المدنية، جارفة ومدمرة كل شيء أمامها، ثم أخيراً التدمير الذي أحاق بمجمع الطاقة في مدينة فوتشياما التي تقع شمال شرق اليابان، المكون من ستة مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية، حيث تسببت الهزة الأرضية في تدمير أجهزة التبريد الخاصة بهذه المفاعلات، وأدت إلى انفجار ثلاثة منها حتى الآن، بسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الضغط. وحدثت من جراء ذلك تسربات إشعاعية، من الصعب تقدير حجمها وحجم المخاطر الصحية والبيئية المترتبة عليها.

لمواجهة تداعيات كل من هذه الأضرار، هناك إجراءات محددة تقوم بتنفيذها جهات متخصصة داخل اليابان وخارجها، ففي الوقت الذي تنحصر فيه الأضرار الناجمة عن الهزة الأرضية وعن التسونامي في الأراضي اليابانية، ليس من المستبعد أن تتسع دائرة الأضرار الناجمة عن انفجار المفاعلات النووية وحدوث التسرب الإشعاعي إلى دائرة أوسع، لتصيب بعض الدول القريبة من اليابان، خاصة روسيا وكوريا.

عبء هذه الكارثة على اليابان ثقيل جداً، خاصة في المجال الاقتصادي، إذ إضافة إلى ما يترتب على مواجهة ما تتطلبه معالجة تداعيات الدمار الذي حدث وأدى إلى تشريد مئات الآلاف من المواطنين من أعباء مالية، على الحكومة اليابانية أن تتخذ قرارا يتعلق بمصير المفاعلات الأخرى الموجودة على أراضيها. فهي تمتلك خمسة وخمسين مفاعلاً نووياً، تعمل على توليد ما مقداره ‬27٪ من الطاقة الكهربائية التي تحتاجها الدولة.

وإضافة إلى ما خلفته كارثة اليابان من آثار بشرية واقتصادية مدمرة، قد لا يستفيق منها البلد إلا بعد سنوات طويلة، فإن تأثيراتها انسحبت إلى مستويات عالمية أخرى. فالتسربات الإشعاعية التي حرصت الحكومة اليابانية على التقليل من شأنها، قد أثارت القلق الشديد لدى المنظمات التي تدافع عن البيئة في عدد من الدول الأوروبية، وأعادت القوة والاعتبار لأحزاب اليسار ومنظمات الخضر في القارة الأوروبية التي طالما كثفت نشاطاتها في ثمانينيات القرن المنصرم، عبر مناداتها للحفاظ على البيئة بضرورة حظر استخدام الطاقة النووية في جميع المجالات، إلى الحد الذي دفع عددا من الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ خطوات استباقية، والبدء بإجراء مراجعات شاملة لإجراءات الصيانة والسلامة للمواقع النووية في أراضيها.

على محور آخر، أثارت هذه الكارثة جانباً على قدر كبير من الأهمية، يتعلق بمدى ملاءمة المعايير المعتمدة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في ترخيص العمل بهذا التصميم أو ذاك للمفاعل النووي، ومدى الحاجة إلى إعادة النظر في الإجراءات الحالية وأهمية تحديثها وإدخال التعديلات المناسبة عليها. فقد أماطت هذه الكارثة اللثام عن حقيقة هامة، وهي قصور التصاميم المعتمدة للمفاعلات النووية على مقاومة الهزات الأرضية التي تبلغ شدتها، على مقياس ريختر، تسع درجات فما فوق، وهو ما أثار مخاوف الشركات الكبيرة في كل من الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، والتي تنفرد بتصدير المفاعلات النووية إلى بقية دول العالم، من أن سوقها الواعد الذي بدأ في التوسع بشكل كبير مؤخراً، مهدد بالتقلص.

فقد شهد العالم توسعاً ملحوظاً في سوق المفاعلات النووية لدوافع عديدة، منها العمل على تلافي حدوث التغيرات المناخية التي يعتقد فريق كبير من الخبراء في العلوم البيئية، أن مصادر الطاقة التقليدية (النفط والغاز والفحم) التي ترفع من نسبة غاز ثاني أوكسيد الكربون في الهواء، مسؤولة عنها أولاً، ومنها التهيؤ لمواجهة عصر ما بعد النفط الذي قد لا يكون بعيداً عنا ثانياً، ومنها اقتصادية استخدام الطاقة النووية ثالثاً. وقد بلغت المبالغ المخصصة لبناء هذه المفاعلات في بعض دول العالم، مثل الصين، مئات المليارات من الدولارات.

تبلغ كلفة إنتاج الكيلو واط/ ساعة من الطاقة الكهربائية باستخدام الطاقة النووية، ما يقرب من خُمس كلفتها في حالة استخدام النفط، وما يقرب من رُبع كلفتها في حالة استخدام الغاز الطبيعي، وما يقرب من ثلاثة أرباع كلفتها في حالة استخدام الفحم.

ولكن هذه الجاذبية الاقتصادية قد تفقد بعض بريقها، حين ترتفع كلفة المفاعلات النووية التي ستبنى في المستقبل، بعد إجراء تعديلات هامة على تصاميمها، وبعد أن تصبح الإجراءات الخاصة بالتحري عن العيوب وضمان السلامة، أكثر تعقيداً وأكثر تكرارية، وتبعاً لذلك أكثر كلفة لضمان عدم حدوث ما حدث في اليابان.