لا شك أن تفجر الحركات الاحتجاجية والثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها، قد أثار جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية الروسية. وتباينت المواقف والتحليلات الرسمية، بدءا من الحديث عن سيناريو أميركى يستهدف تغيير السلطات الحاكمة في الإقليم، ومروراً بمخاطر وصول الإسلاميين للسلطة في الشرق الأوسط، وانتهاء بدعم الحوار بين أطراف الخلاف.

لقد طغت على الرؤية الروسية للأحداث الجارية في الشرق الأوسط، نزعة محافظة تميل إلى دعم وتأييد القيادات التاريخية في المنطقة، وخلت هذه الرؤية من أي محاولة جادة لتفهم حقيقة التطورات الجارية على أرض الواقع، والدوافع التي أدت لتنامٍ سريع للحركات الاحتجاجية. ومنذ البداية اعتبرت الدبلوماسية الروسية أن ما يحدث في هذه المنطقة هو شأن داخلي، وعارضت أي تدخل خارجى فيه، بل وأعربت عن معارضتها للتظاهرات الحاشدة التي كانت تخرج يوميا في بلدان الشرق الأوسط وحذرت منها. وكان هناك لدى دوائر الحكم في موسكو، هاجس غريب وتخوف من أن يستغل الإسلاميون هذه التظاهرات ويقفزون إلى الحكم، لأن ذلك سيشجع المتطرفين الإسلاميين في شمال القوقاز وفي باقي المدن الروسية.

لكن رؤية موسكو لمسار الأحداث الجارية في الشرق الأوسط سرعان ما تبدلت، وبعد أن كان العديد من السياسيين الروس يرى أن هذه الثورات هي السبيل لهيمنة الإسلاميين على السلطة، اعترف وزير الخارجية سيرغي لافروف، بأن هذه بالفعل ثورات شعبية اجتماعية، وأن القوة المحركة لها هي الشباب، وأن هذه الثورات انفجرت لتطالب بتغيير النظام وتجديد السلطة على أسس ديمقراطية، وليس بفرض الشريعة الإسلامية، دون أن ينفي وجود القوى الإسلامية على الساحة، مشيراً إلى أنها ستستغل الوضع أيضا لتعزيز مواقفها ونفوذها في المجتمع.

لكنه أقر بأن الإسلاميين منسجمون مع باقي الفئات الأخرى في الثورة، وخاصة في مصر التي شهدت ثورتها انسجاماً واضحاً بين الإسلاميين والأقباط المسيحيين تحت شعارات واحدة، واعتبر لافروف أن الخبرات السياسية تبين أن الإسلام والديمقراطية أمران منسجمان، لا تناقض بينهما كما يتوهم البعض خطأ. وقد صرح لافروف بذلك في مؤتمر صحفي مؤخرا، مستشهدا بالثورة المصرية.

ورفضت الدبلوماسية الروسية تطبيق مفهوم الثورات الملونة التي جرت في أوكرانيا وجورجيا، على ثورات الشرق الأوسط، مؤكدة على نقاء هذه الثورات من التدخلات الأجنبية، ومشيرة إلى أن تكنولوجيا المعلومات الحديثة لعبت دورا جوهريا في تنظيم التواصل بين مختلف قطاعات هذه المجتمعات، وأن استياء أغلبية السكان من تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، جاء محركا للأحداث في منطقة الشرق الأوسط. ما يعني أن دور العامل الداخلي في هذه المنطقة، كان أكبر منه على الساحة السوفييتية السابقة التي لعب فيها العامل الخارجي والدعاية والدعم الغربي الدور الرئيسي.

ويمكن القول إن أزمة مراكز الأبحاث والاستشراق الروسية، التي تقدم النصيحة والرؤية إلى صناع القرار للتوصل لرؤية دقيقة لتطورات الأحداث في هذا الإقليم، كشفت عن عجز وفشل كبير في التعامل مع ملفات ثورات الشرق الأوسط، وحالة ميكانيكية تفتقر للمعطيات والمعلومات، وتجاهل تام للمنهج العلمى في دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية التي تحدث في المجتمعات. ورغم أن الباحثين والمراكز البحثية في روسيا، تعتبر أن يفغيني بريماكوف رئيس الوزراء الأسبق هو أهم متخصص في شؤون الشرق الأوسط، إلا أنها رفضت رؤيته التي أكدت على أن الثورات العربية هي نتاج سياسات دكتاتورية فاشلة، أدت لتدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية في العديد من البلدان العربية.

بل أكثر من ذلك، أنه في الوقت الذي حاول المحللون وخبراء هذه المراكز الترويج بقوة لنظريات المؤامرة الخارجية في تقييم ثورات الشرق الأوسط، لم تصل نسبة المؤيدين من السكان لسيناريو التدخل الخارجي لتفجير هذه الثورات لأكثر ‬4,7٪، فيما يعتقد نحو ‬45٪ من السكان، أن سبب تفجر هذه الثورات هو تدهور مستوى المعيشة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية في بلدان الشرق الأوسط، وارتفاع معدلات الفساد.

لقد جاء رأي المواطنين الروس أكثر نضجا وتقاربا مع الواقع، من تحليلات العديد من الخبراء والسياسيين. ولم يخف العديد من المحللين أن يكون إصرار هذه المراكز على إلصاق «تهمة» تفجير الثورات في الشرق الأوسط بالغرب أو التيارات الإسلامية، ليس أكثر من محاولة لتهدئة الرأي العام المحلي وإبعاده عن مقارنة الأوضاع، في ظل انتشار الفساد في روسيا، خاصة أن استطلاعات الرأي كشفت عن ارتفاع نسبة المواطنين الروس الذين يشعرون باستياء من سياسات الحكومة، من حوالي ‬32٪ إلى نحو ‬48٪.

وقد حذر ميخائيل غورباتشوف، أول وآخر رئيس للاتحاد السوفييتي، في مقالته التي ناقش فيها ثورات الشرق الأوسط، من تكرار سيناريو ثورة مصر في روسيا، معتبرا أن روسيا تشهد تراجعاً في الديمقراطية وانتشارا في الفساد وعدم الجدية في مكافحته.

لا شك أن العديد من تحليلات مراكز الاستشراق والبحث الجيوسياسي في روسيا، عبر تأكيدها على أن ثورات الشرق الأوسط تهدد بوصول الإسلاميين للسلطة، كانت تنفذ سياسة إسرائيلية تستهدف حماية أمن إسرائيل التي باتت تشعر بالقلق من توسع وتنامى موجات الديمقراطية في البلاد العربية، استنادا لقناعة لدى تل أبيب بأن حرية الرأي في البلاد العربية ستؤدي إلى الإضرار بأمن إسرائيل ومصالحها، بعد أن فشلت حكومات تل أبيب المتعاقبة في تطبيع علاقاتها مع مصر وغيرها من الدول العربية.