في خطابه الهادف إلى استدرار تعاطف الأوروبيين معه، أو على الأقل تحييدهم في معركة البقاء ضد معارضيه والثائرين عليه، لجأ رأس النظام الليبي إلى تخويف الدول الأوروبية من تبعات تدفق الهجرة غير المشروعة عبر المتوسط، إذا ما أزيح عن سدة الحكم وزال دوره في كبح هذه الظاهرة.
لا يمكن التيقن من أصداء هذه الفزاعة على مواقف دول الاتحاد الأوروبي رسمياً وشعبياً؛ لكن المؤكد أن طرحها قد انطلق عن استشعار مسبق بمخاوف الأوروبيين وأراجيفهم، إزاء العرب والمسلمين والأفارقة وسواهم، ولاسيما زيادة أعداد أبناء هذه الأقوام في بلادهم، وما يترتب عليها من إشكاليات وتداعيات اجتماعية واقتصادية، وقبل ذلك وبعده سياسياً وأمنياً.
هناك الكثيرون ممن يشاركون النظام الليبي في هذه المعزوفة، غير أننا نجادل بأن الجوانب السلبية للهجرة إلى الشمال؛ الموضوعة تحت أضواء فكرية وسياسية وإعلامية قوية، لا تشكل سوى جانب واحد من الحقيقة، وأن للقضية جوانب وحيثيات أخرى، لا تساق إلا على استحياء ودون الجهر من القول.
ما نجادل به هنا، هو أن الاستياء ليس هو سيد المواقف الأوروبية من الهجرة والمهاجرين، وأن الواقع الأوروبي بأبعاده السكانية والاقتصادية، ينطوي على ما يوحي بعدم النفور بالمطلق من الظاهرة.
لهذا الاعتقاد مسوغاته الموضوعية، التي أقواها أن المجتمعات الأوروبية جميعها تعاني ضموراً شديداً في معدل المواليد والتكاثر عند قاعدة الهرم السكاني، وتضخماً في شريحة كبار السن والمعمرين، وبين هاتين الفئتين تستقر نسبة من هم في سن القدرة على العمل والإنتاج، عند حد لا يسعه الوفاء بحاجة الطاقة الإنتاجية ولا تغطية احتياجات سوق العمل.. الأمر الذي يستلزم طلب المدد الخارجي من العناصر الفتية الشابة.
لقد صدرت مؤخراً دراسات أوروبية معمقة، تحذر من الانعكاسات الخطيرة لهذا الواقع السكاني، ليس فقط على حجم العمالة وماكينة الإنتاج على الصعيد الاقتصادي البحت، وإنما أيضاً على مستقبل السيادة الأوروبية المسيحية، بالمعنى الحضاري الشامل. وتعزز هذه الدراسات هواجسها بالقاعدة التي مؤداها أن أصحاب حضارة إنسانية ما، لا يمكنهم الصمود على القمة طويلاً، ما لم يحتفظوا بقوة دفق سكاني لا يقل معدله عن 1,6٪ سنوياً. وهذا منسوب بات تفتقر إليه معظم مجتمعات الحضارة الغربية.
هناك، والحال كذلك، نقص في أحد أهم المقومات اللازمة للإبقاء على قوة الدفع الإنتاجي والحضاري الأوروبي. ولأن جهود المهمومين بمعالجة هذا النقص عبر تشجيع زيادة النسل قد باءت بالفشل، فإنه لم يعد أمامهم من وسيلة غير «استيراد» العمالة من بلاد الوفرة أو الطفرة السكانية.
المدهش أن مفهوم الاستيراد أو الاستقدام، ما عاد في هذا الإطار قاصراً على زيادة طلب العمالة غير الماهرة لسد العجز في قطاعات معينة، كالبناء والفلاحة والخدمات المرهقة.. المجتمعات الأوروبية أضحت منذ سنوات، تعاني نقصاً في العمالة الماهرة ذات الدربة والدراية والتأهيل العلمي الرفيع. فعلى هامش مؤتمر قمة المعلومات الذي عقد في ألمانيا قبل أربعة أعوام، طالب أوغوست شير رئيس قطاع المعلومات الألماني، بفتح أبواب الهجرة أمام خبراء البرمجيات، مشيراً إلى أن بلاده بحاجة إلى نحو 45 ألف متخصص في هذا المجال. ولم يتحرج شير من الدعوة إلى الاقتداء بالنموذج الأميركي المعروف بوادي السيلكون «.. الذي نجح في أن يكون مركز جذب للكفاءات الشابة في حقل المعلومات، من كل مكان...».
يجتهد الأوروبيون في إخفاء هذه الحقائق عن متناول المتناظرين حول الهجرة والمهاجرين، ويبدو أن بعضهم لا يريد الاعتراف صراحة بأن قارتهم صارت عجوزاً بالمعنى السكاني، علاوة على المعنى التاريخي.. وذلك لكي يعيش المهاجرون على صفيح ساخن، فيقبلون بشروط عمل لا تتطابق والمعايير الأوروبية والدولية للحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كالأجور المتدنية وأحوال السكن والإقامة البائسة.
والشاهد عموماً، أن العواصم الأوروبية ليست مكرهة بشكل حقيقي على الانصياع للتهديدات الملوحة بهدم جدار الحماية، الذي يزعم النظام الليبي إقامته وحراسته في وجه موجات الهجرة. ثم إن ليبيا بالذات دولة شاسعة المساحة، وتملك مقدرات اقتصادية هائلة، نفطية وغير نفطية، بحيث لا يخشى جانبها السكاني الشحيح بين يدي مسألة الهجرة.
ومن المؤكد أن أي تغير نظامي يستتبعه تصرف حكيم وعادل وغير عشوائي أهوج في هذه المقدرات، سيجعل من مجرد تفكير أي مواطن ليبي في خيار الهجرة، موضوعاً للتندر والسخرية.