ما دام الديمقراطيون يرفضون الحديث عن مراكمة الدخل والثروات والنفوذ، بشكل غير مسبوق تقريباً عند قمة الهرم الاجتماعي، وعن رفض أصحاب الثراء الفاحش دفع حصتهم من الفواتير الوطنية، فسوف ينجح الجمهوريون في إقناع الناس بأن بيت الداء هو الحكومة والنقابات العمالية. يزعم الجمهوريون أن لديهم تفويضاً من الناخبين بالمجابهات التي يشنونها ضد الحكومة، وحكام الولايات يقولون إنهم ليسوا ضد الاتحادات والنقابات، لكن الناخبين طلبوا منهم تخفيض النفقات، ونقابات العمال تقف في طريق تحقيق هذا الهدف. الجمهوريون في مجلس النواب يقولون إنهم لا يسعون إلى تجميد الميزانية الفيدرالية وإيقاف الخدمات الحكومية، لكنهم ببساطة يتحركون وفق ما تمليه عليهم مبادئهم. ويقول رئيس الأغلبية الجمهورية في المجلس جون بوينر: «هدف الجمهوريين خفض وتقليص إنفاق الحكومة، وليس تعطيلها، لكن إذا كان تعطيلها ضروريا لتحقيق ذلك الهدف، فليكن». الرسالة التي يريد الجمهوريون إيصالها، هي أن الإنفاق الحكومي المتضخم هو المسؤول عن الوضع الاقتصادي المتردّي، الذي لا يزال يعاني منه معظم الناس؛ أي أن خفض ذلك التضخم كفيل بعودة الوظائف والأجور الجيدة.
وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة، لكن ولسبب ما غير واضح، لا نسمع إجابات شافية مدعومة بالحقائق من الرئيس أوباما والديمقراطيين، رداً على تلك المزاعم. فقد اقتصرت ردودهم إلى الآن على هذا المنوال: نحن نوافقكم الرأي، لكنكم تفرطون في مواقفكم.. معكم حق، موظفو الحكومة يجب أن يتخلوا عن جزء من أجورهم وتعويضاتهم، لكن لا تأخذوا منهم حقوق المساومة.. معكم حق، عمال القطاع الخاص المشمولون تحت مظلة النقابات يجب أن يقدموا المزيد من التنازلات، لكن لا تقوضوا النقابات نفسها.. والإنفاق التقديري غير المتعلق بشؤون الدفاع يجب أن يخفض، لكن لا تخفضوه أكثر من اللازم.
في مواجهة مثل هذه الهجمات الجمهورية الشرسة، لا جدوى من الرد بطريقة «أنتم على حق، لكن لا تفرطوا في مواقفكم». إذا كان الجمهوريون فعلاً على حق من حيث المبدأ، فإن تشددهم في مواقفهم ينبغي أن يعتبر تمسكاً بالمبادئ لا «إفراطاً». وإذا كانوا فعلاً محقين من حيث المبدأ في أن المشكلة تكمن في الإنفاق الحكومي الزائد عن الحد، فلماذا إذن نطلب منهم عدم الذهاب إلى أبعد حد ممكن في تقليص ذلك التضخم في الإنفاق؟
الحقيقة التي يجب على أوباما والديمقراطيين المجاهرة بها، هي أن الإنفاق الحكومي ليس له أدنى صلة بارتفاع معدلات البطالة وتدني مستويات الأجور وانخفاض أسعار العقارات السكنية، وكل المشاكل الأخرى التي تقُضّ مضاجع معظم الأميركيين. بل إن خفض الإنفاق أكثر من اللازم سوف يطيل أمد هذه المشاكل لسنين أخرى، نظراً لما سيسببه من انخفاض للطلب في الاقتصاد.
الواقع أنه في حين كان السبب المباشر لانتكاسة الاقتصاد الأميركي، هو تجاوزات وول ستريت التي أدت إلى انهيار الأسواق المالية في 2008، فإن السبب الأساسي وراء استمرار تردي الأوضاع الاقتصادية بالنسبة لمعظم الأميركيين، هو أن حصة كبيرة جداً من الدخل والثروات تذهب إلى قمة هرم الثراء، لدرجة أن الأغلبية الساحقة من الناس لم تعد تملك القوة الشرائية لانتشال الاقتصاد من حالة الركود التي يعاني منها. فالأميركيون الآن لا يشترون السيارات (17 مليون سيارة جديدة في 2005، و12 مليون فقط السنة الماضية)، ولا يشترون البيوت (7,5 ملايين وحدة سكنية في 2005، و4,6 ملايين السنة الماضية)، ولا يذهبون إلى مراكز التسوق الكبرى.
فقط الخمسة في المئة الأكثر ثراء في أميركا عادوا إلى التسوق، وذلك لأن استثماراتهم في سوق الأسهم عادت للارتفاع. فقد واصل مؤشر داو جونز الارتفاع في الفترة الماضية، حتى وصل الآن إلى ضعف ما كان عليه عند أدنى مستوى له خلال الأزمة المالية. ومعدلات الأجور في وول ستريت ارتفعت إلى مستويات قياسية، ففي حين بلغ مجموع المرتبات والتعويضات والامتيازات الأخرى للعاملين في أكبر 25 شركة في وول ستريت 130 مليار دولار في 2007، قبل انهيار الأسواق، فإنه يقترب الآن من 140 ملياراً.
لكن بطبيعة الحال، لا يمكن إنعاش الاقتصاد بالاعتماد فقط على مشتريات الـ5 الأثرى في أميركا. لكن لو دفع أصحاب الثراء الفاحش حصتهم العادلة من الضرائب، لما كانت الحكومة مفلسة الآن. ولو لم يمنح سكوت والكر، حاكم ولاية ويسكونسن، تخفيضات ضريبية إضافية للشركات الكبرى والأثرياء، لما كانت ولايته الآن في أزمة ميزانية. ولو لم تمدد واشنطن التخفيضات الضريبية الممنوحة للأثرياء، ولم تقلص ضريبة التركات، ولم توجد الثغرات القانونية لمديري محافظ الأسهم الخاصة وصناديق التحوط، لما كانت الميزانية الفيدرالية بهذا السوء.
ولو طبقت أميركا معدلات ضرائب هامشية أعلى وفئات ضريبية أعلى على شرائح الدخل العليا، أولئك الذين يتراوح دخلهم السنوي بين مليون و5 ملايين و15 مليون دولار، لكانت الميزانية أفضل حالاً، ولما اضطرت أميركا لتسريح المدرسين أو خفض ميزانية برنامج الرعاية الصحية «مديكير»، أو سحب البساط من تحت أضعف الشرائح الاجتماعية في بلدنا، ولما كنا شهدنا كل هذا الاهتياج الشديد حول قضية الضمان الاجتماعي، ولكنا قمنا بإبطاء ارتفاع التكاليف الصحية، دون اللجوء إلى اختزال ميزانية «ميديكير»، وخفضنا الإنفاق على الدفاع وقلصنا الإعانات الحكومية المقدمة إلى الشركات الزراعية العملاقة، ولما كنا اضطررنا إلى اعتبار الحكومة عدونا الوطني.
الحقيقة الأخيرة هي أنه بينما ارتفعت مستويات الدخل والثروات عند قمة الهرم الاجتماعي، كذلك ارتفعت مستويات النفوذ. وسبب الصعوبة التي يواجهها البلد في التعامل مع كل هذه التعقيدات الآن، هو أن ذوي الثراء الفاحش دأبوا على استخدام ملياراتهم لإفساد الساسة والسياسة، وخداع الجماهير، وتضخيم وتحصين ثرواتهم. فهؤلاء يمولون الجمهوريين، الذين يجابهون الحكومة ويهددون بتعطيل خدماتها وتجميد ميزانيتها.
هذه هي الحقائق التي يجب أن يبدأ الديمقراطيون في ترديدها على الملأ، وعلى الفور، وإلا فقد تنجح تهديدات الحزب الجمهوري.