يبدو أن الولايات المتحدة لم تتعلم شيئا من درس الثورة المصرية. فهي تعيد إنتاج الأخطاء نفسها التي طالما ارتكبتها مع بلدان أخرى، وأدت لتوتر علاقتها بشعوب كثيرة حول العالم. فالخطأ الأساسي الذي ارتكبته الولايات المتحدة في ما يتعلق بمصر، هو أنها استخدمت كتاب الإرشادات الذي استخدمته الإدارات الأميركية المتعاقبة مع الحركات الديمقراطية. فالإرشادات تقول؛ ادعم حليفك ضد معارضيه وانتظر بعض الوقت، فإذا صمد هذا الحليف كان بها، أما إذا ازدادت الضغوط عليه وصار واضحا أنه سيسقط، فاقفز فورا من السفينة الغارقة، ثم ازعم بكل قوتك أنك كنت مع «الديمقراطية منذ البداية». لكن المشكلة أن كتاب الإرشادات هذا، صار مفضوحا للغاية ولم تعد المسرحية تنطلي على أحد.

والحقيقة أن الولايات المتحدة بحسبة بسيطة، كانت ترتعد من بديل ديمقراطي للنظام المصري السابق. فهي تعرف يقينا أن أي نظام ديمقراطي، لا بد بالضرورة أن يضع نهاية للدولة البوليسية التي تقوم على التعذيب والتنكيل بالمعارضين، الأمر الذي يعني أيضاً نهاية العهد الذي كانت ترسل فيه أميركا معتقلين إلى مصر من أجل تعذيبهم للحصول على اعترافات منهم. وهي تعرف أيضاً أن جريمة حصار غزة التي شارك فيها النظام السابق، لا تحظى بأية شعبية بين المصريين.

والولايات المتحدة أيضاً كانت لها مصلحة أكيدة، في بقاء نظام يقوم بتعريف مصالح مصر بشكل يتطابق تماما مع المصالح الأميركية في المنطقة. لكن ما إن سقط هذا النظام حتى راحت أميركا تزعم، كما فعلت وزيرة الخارجية الأميركية في زيارتها للقاهرة مؤخرا، أنه لا يوجد «أي شك في أن الولايات المتحدة والرئيس أوباما ونحن جميعا نقف مع الديمقراطية».

ومن حق الولايات المتحدة أن تبحث عن مصالحها، ولكن من حق الشعوب المختلفة أيضاً أن تبحث هي الأخرى عن مصالحها. وقد رفض شباب الثورة المصرية دعوة هيلاري كلينتون لهم للقائها أثناء زيارتها للقاهرة. فهم كان لديهم شرط أساسي قبل اللقاء، هو أن تعتذر الولايات المتحدة علنا عن موقفها الذي كان مساندا على طول الخط للنظام السابق، وهو ما رفضته الإدارة الأميركية.

لكن إذا كان من حق الولايات المتحدة أن تسعى لتحقيق مصالحها، فإنه ليس من حقها أن تبحث عن مخرج لمأزقها الذي صنعته لنفسها بموقفها السلبي من الثورة، عن طريق ادعاءات سخيفة تمثل إهانة للمصريين. ففي حوار لها مع التليفزيون المصري من القاهرة، سئلت الوزيرة الأميركية عن دعم بلادها لجهاز الأمن المصري «من أجل خلق جهاز أمني قوي يضمن إحكام مبارك لقبضته بشكل مستمر»، فتهربت الوزيرة من الحديث عن دور بلادها في دعم جهاز الأمن، عبر قولها إن «الكثير من المعونات كانت موجهة للجيش المصري». لكن الأسوأ من ذلك أن الوزيرة أضافت قائلة «.. وأعتقد أن هذا (تقصد دعم الجيش المصري) قد أتى بثماره، لأنه في أوج التظاهرات في ميدان التحرير كان قادتنا العسكريون يتحدثون إلى قادتكم ويتبادلون الأفكار، لأنهم يعرفون بعضهم البعض على مدار ثلاثين عاما وقاموا بتدريبات مشتركة. لذلك أعتقد أن ذلك (أي المعونات العسكرية لمصر) كان استثمارا جيدا بمعنى من المعاني، لأن أداء الجيش المصري كان محط إعجاب الجميع. ونحن فخورون أننا كان لنا بعض الإسهام في ذلك».

والحقيقة أنني لو كنت مكان هيلاري كلينتون، لقمت فورا بإقالة كل المستشارين الذين يعاونونني. فما قالته الوزيرة معناه أن هؤلاء لا يفهمون شيئا على الإطلاق عن مصر، ولا تاريخها، ولا حتى عن حدود اللياقة. وهم يورطون الوزيرة في خصومة مع الشعب المصري، الذي أهانته إهانة مباشرة بذلك التصريح الذي ينبغي أن يدرس في معاهد تدريب الدبلوماسيين كأحد نماذج الأخطاء الفادحة التي يرتكبها الدبلوماسيون حين يختلط الجهل بالغطرسة.

فمهما كان مستوى التدريب الأميركي للجيش المصري، فإنه بالتأكيد لا يتضمن دروسا في الوطنية المصرية. والجيش المصري صاحب تاريخ طويل، قدم فيه الدليل بعد الآخر على وطنيته وإيمانه العميق بمصر وشعبها العظيم، بما يكفيه لإعطاء دروس في الوطنية، لا أن يتلقاها من أحد. والشعب المصري يدرك تماما وطنية الجيش، حتى أنه كان هو الذي طالب أثناء الثورة بنزول الجيش. كنا نعرف يقينا أن هذا الجيش صاحب التاريخ الوطني المشرف، لن يوجه رصاصه إلى صدور المصريين، وهو القادر على حمايتهم من جهاز أمني انفلت عياره واختلت بوصلته، إلى درجة أنه تعامل مع المصريين كأعداء يمكن استخدام الرصاص الحي لمواجهتهم. ووطنية الجيش المصري سابقة على أي تدريب تلقاه، وظلت كما هي في ظل التعاون مع الروس أو الأميركان أو أي كان.

والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي تسعى فيها أميركا للبحث عن مزاعم تربط فيها نفسها بالثورة المصرية، بعد موقفها الكوميدي بامتياز أثناء هذه الثورة، والذي كان يتغير على مدار الساعة. فبعد انتصار الثورة المصرية مباشرة، ألقى أوباما خطابا تحدث فيه بفخر عن أهمية «التكنولوجيا» في ثورة المصريين، وكأن بلاده ساهمت في الثورة لمجرد أنها اخترعت تلك التكنولوجيا. وهو الكلام الذي بدا مضحكا وقتها، لأن الثورة صمدت لأيام طويلة انقطعت فيها الإنترنت، بل وخدمات الهاتف المحمول تماما عن مصر.

ليس من حق الولايات المتحدة أن تزعم أنها كانت ذات دور في الثورة المصرية، أيا كانت طبيعة هذا الدور المزعوم، لسببين غاية في البساطة؛ أولهما أن تلك أكذوبة لا أساس لها، وثانيها أن القاصي والداني يعرف أنها أكذوبة، لأنه تابع بنفسه الموقف الأميركي وقتها بالصوت والصورة. والأكرم للمسؤولين الأميركيين، أن يظهروا على الأقل بعض الاحترام لعقول الناس.