أتيحت لي الفرصة لزيارة تونس في الفترة ما بين ‬15-‬19 مارس ‬2011، للمشاركة في ندوة علمية حول الحكم الرشيد. وكانت مناسبة مهمة لتبادل الآراء مع نخبة من المثقفين العرب وغير العرب، الذين وفدوا للمشاركة في أعمال الندوة.

فالانتفاضة الشبابية التي تجتاح العالم العربي منذ مطلع العام الحالي، هي موضع نقاش معمق. وكانت آراء المثقفين تتفاوت بين الدعم المطلق الذي محضه بعضهم لمساندة انتفاضة الشباب، وبين تشكيك البعض الآخر أو إظهار الخوف المصطنع عليها من مثقفين لا يؤمنون أصلا بقدرة الشباب العربي على قيادة التغيير الديمقراطي، وهم يظهرون قلقا مبالغا فيه من أن تصاب النخب الشبابية بالإحباط، لأنها تواجه قوى سلطوية شرسة لن تخلي لها الساحة السياسية والثقافية والاقتصادية بسهولة.

استنجد أحد الباحثين بمقولة نظرية طريفة لتوصيف الانتفاضة الشبابية، مفادها أن انتفاضات المجتمعات النامية: يفجرها الشباب، وينخرط فيها الانتهازيون، ويحاول إنقاذها وتصويب مسارها الحكماء.

يواجه قادة الانتفاضة الشبابية مرحلة جديدة تحتاج إلى كثير من الانسجام والتضامن المشترك، لإنجاز مهمات صعبة تنتظر الجماهير الشعبية التي تعيش هاجس البحث عن الرغيف والكرامة والديمقراطية والسكن وغيرها. فقد أعادت انتفاضة الكرامة والديمقراطية الثقة للشعب بنفسه، فبدأ مرحلة القطع مع مخلفات النظام الاستبدادي السابق، والعمل على بناء حكم صالح يضمن للشعب التونسي الأمن والاستقرار، وتحقيق المطالب المزمنة المشروعة، وإطلاق وسائل إعلام حرة وفاعلة.

ويشدد بعض المثقفين على ضرورة التفاهم على عقد اجتماعي مع المنظمات العمالية والشبابية والاقتصادية الفاعلة، لوقف حركات الإضرابات والاحتجاج بصورة مؤقتة. فالاقتصاد التونسي بحاجة ماسة إلى مرحلة من الهدوء، لاستعادة قدرته على تجاوز الأزمة وتقديم المزيد من الخدمات الاجتماعية للشعب التونسي، والتوافق على استراتيجية واضحة في مجال استخدام تكنولوجيا متطورة، لتوفير إنتاج كثيف بنوعية ذات قدرة على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية. والنظام الجديد مطالب بإصلاح مؤسسات التربية والتعليم على مختلف المستويات الابتدائية والثانوية والتقنية والجامعية، وإعداد شباب تونس وفق نظم تربوية ومناهج علمية عصرية تتلاءم مع متطلبات عصر العولمة. وذلك يتطلب اعتماد الكفاءة الشخصية بالدرجة الأولى، إلى جانب الشفافية والقيم الأخلاقية في ممارسة الإدارة والعمل والإنتاج.

هكذا فتحت انتفاضة الكرامة والديمقراطية في تونس، آفاقا جديدة للنقاش الحر حول قضايا أساسية تشكل خارطة طريق لبناء مجتمع مستقر، تسوده العدالة والمساواة في كنف دولة التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة. وأبرز مهمات المرحلة الراهنة:

‬1- أن يستمر الشباب المنتفض في فرض رقابة يومية على الشخصيات التي تولت السلطة، والتي تنتسب في طريقة عملها إلى قوى سلطوية قديمة، وليس إلى القوى الشبابية الجديدة.

‬2- العمل على ضمان حرية الكلمة والفكر والتعبير، كقيمة مطلقة لا يجوز التراجع عنها بعد الآن، لأنها تشكل الإطار الضروري لممارسة الإنتاج الثقافي الحر، والإبداع الفني، وتطوير المعرفة البشرية في مختلف أشكالها.

‬3- طرحت الانتفاضات الشبابية مهمات جديدة تتطلب البحث المعمق حول بناء نظام سياسي ديمقراطي، ونظام اقتصادي ليبرالي مراقب بدقة من المؤسسات المالية والسياسية الرسمية، ونظام سياسي يقوم على العقلانية والديمقراطية واحترام الحريات الخاصة والعامة، وتفعيل دور المؤسسات الرسمية في إطار دولة القانون والمؤسسات.

‬4- النظام السياسي الجديد مطالب بتنشيط مؤسسات المجتمع المدني، للتحرك بفاعلية لممارسة دورها الطبيعي في حماية الانتفاضة الشعبية وتعزيز دور الطبقة الوسطى فيها، بما يساعد على ضمان الأمن السياسي والاستقرار الاجتماعي.

‬5- أكدت الانتفاضة الشبابية أن المسألة الجوهرية في هذه المرحلة بالذات، تكمن في الإدارة الناجحة التي تعزز الثقة بين الحاكم والمحكوم على أساس الشفافية والاحترام المتبادل. وتلعب القوى المنتفضة الدور الأساسي في مراقبة مؤسسات الدولة وكيفية تسيير شؤونها على مختلف الصعد، في هذه المرحلة التي توصف بالانتقالية ويتوقف عليها نجاح الانتفاضات الشبابية أو فشلها.

‬6- أعادت الانتفاضة طرح البديهيات الإنسانية التي كانت مغيبة في كثير من الدول العربية. ومن تلك البديهيات أن الناس ولدوا أحرارا، وأن لكل فرد الحق في الحياة والحرية والحركة والأمن الشخصي والجماعي. وأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، بقطع النظر عن دينهم ولغتهم وجنسهم وانتمائهم السياسي. وبدا واضحا أن القيادات الشبابية المنتفضة تجري نقاشات معمقة ويومية، تمارس من خلالها الرقابة المباشرة على القوى الوسطية التي تقود المرحلة الانتقالية، من أجل ضمان الحريات العامة والخاصة للتونسيين.

‬7- فتحت الانتفاضة الشبابية الباب واسعا أمام تشكيل جميع أنواع الأحزاب السياسية في تونس. ويكفي التذكير بأن عدد الأحزاب قبل الانتفاضة كان محدودا للغاية، وكان معظمها غير فاعل بسبب ارتباط بعضها بالسلطة من جهة، والضغوط الكبيرة التي مارستها أجهزة القمع على أحزاب المعارضة من جهة أخرى. فخلال أقل من شهرين قدمت طلبات ترخيص لإنشاء أكثر من مائة حزب جديد، تم الترخيص الفعلي حتى أواسط مارس ‬2011 إلى سبعة وثلاثين منها. وتشعر الأحزاب السياسية الجددية بحقها الطبيعي في ممارسة عملها بحرية. وهي مدعوة للعمل على أسس جديدة، تقوم على احترام حرية الرأي في داخلها وعلى المستوى الوطني العام، بعيدا عن الممارسات التعسفية التي كانت تمارس في السابق وأساءت إلى صورة العمل السياسي في تونس، داخل أحزاب السلطة والمعارضة معا.

ختاما، يدرك قادة الانتفاضة الشبابية أن ما قامت به أسس لولادة مرحلة مصيرية من تاريخ تونس والعرب، واحتلت دور الريادة في فتح آفاق جديدة للتعبير السلمي، بأسلوب ديمقراطي لم نجد له مثيلا في تاريخ العرب المعاصر. إلا أن معركة الحرية وبناء الحكم الرشيد ما زالت في بداياتها. فالعالم العربي يعيش مخاضا عسيرا للغاية، لأن إسقاط النظام القديم لا يكفي، بل يحتاج إلى بناء نظام ديمقراطي جديد على أنقاضه، ويتطلب قوى صلبة قادرة على حمايته، طالما أن القوى المعادية للانتفاضة ما زالت قوية وفاعلة. مع ذلك، هناك نوع من الارتياح الضمني لدى غالبية النخب الثقافية والسياسية التونسية، وهم يؤكدون على أنه لا داعي للقلق، لأن من أسقط نظام القمع والقهر والاستبداد، قادر على إقامة الحكم الصالح وبناء الثقة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وأن على النخب التي تدعي الطليعية أن تسارع إلى حماية مكتسبات الانتفاضة الشبابية، وبلورة رؤية علمية رصينة للتفاعل الإيجابي بين القوى العقلانية في المجتمعات العربية. فهي ذات مصلحة أكيد في حماية إنجازات الانتفاضة وتطويرها بصورة تدريجية، بما يضمن استمرارها ونجاحها في تنفيذ المهمات الصعبة والمعقدة التي انتدبت نفسها للقيام بها، في ظروف إقليمية ودولية معقدة.